"ليبانون ديبايت"
في ظلّ التصعيد العسكري المستمر على الجبهة الجنوبية، والتباين الواضح في المواقف السياسية اللبنانية حيال مسار التفاوض، يتبلور مشهد داخلي معقّد تتداخل فيه الأبعاد الأمنية والسياسية والإعلامية. ويعكس التناقض بين الدعوات إلى التفاوض المباشر مع إسرائيل ورفضه انقسامًا عميقًا في مقاربة إدارة الأزمة، بالتوازي مع تصاعد السجالات المرتبطة بالحريات الإعلامية ودور الدولة في تنظيمها.
وفي هذا الإطار، رأت الإعلامية سحر غدار، في حديث إلى "ليبانون ديبايت"، أنّ "لبنان يشهد مسارين متوازيين: تصعيدًا عسكريًا من جهة، ومسارًا سياسيًا مرتبطًا بالمفاوضات من جهة أخرى، ما يجعل المشهد العام متناقضًا إلى حدّ كبير". وأشارت إلى أنّ "هذا التباين يتجلّى في مواقف المسؤولين، إذ سبق لرئيس مجلس النواب نبيه بري أن أعلن رفضه للتفاوض المباشر، في مقابل مواقف صادرة عن رئاستي الجمهورية والحكومة تؤيد هذا الطرح"، متسائلة "عمّا إذا كان هناك تفاوض فعلي أم لا".
وأوضحت أنّ "موقف الرئيس بري يجب قراءته انطلاقًا من تمثيله للبيئة الشيعية، إلى جانب موقعه الرسمي"، معتبرة أنّ "هذه البيئة، المرتكزة على ثنائية "حزب الله" وحركة "أمل"، لا يمكن أن تقبل بفكرة التفاوض المباشر مع إسرائيل، خصوصًا في ظل استمرار تقديم التضحيات على الأرض". وأضافت أنّ "أي تفاوض مباشر من موقع رئاسة مجلس النواب يرقى إلى مستوى الاعتراف بإسرائيل، وهو أمر يحتاج إلى مسار دستوري وإقرار نيابي، في وقت لا يزال لبنان يعتبر إسرائيل عدوًا له".
وأكدت أنّ "التجارب السابقة أظهرت أنّ التفاوض مع إسرائيل كان يتم عبر وسطاء، ما يجعل الطروحات الحالية معقّدة وغير قابلة للتطبيق بسهولة". واعتبرت أنّ "الانبطاح" الذي تقدّمه بعض الرئاسات في مقاربة ملف التفاوض، بحسب توصيفها، "يقابله رفض إسرائيلي واضح"، مشددة على أنّ "لا يمكن لأي جهة أن تفاوض نيابة عن "المقاومة"، التي تواصل عملياتها على الحدود"، لافتة إلى أنّ "المقاومة تفاوض عن نفسها، وأنّ الرئيس بري يُعدّ منتدبًا عنها في هذا الإطار".
وأضافت أنّ "قرار وقف العمليات أو الاستمرار بها يبقى بيد "المقاومة"، ما يجعل أي طرح آخر بلا قيمة فعلية، و"حبرًا على ورق""، مستعيدة توصيف الرئيس بري لاتفاق سابق بأنه "لا يساوي الحبر الذي كُتب به". ورأت أنّ "المشهد القائم يعكس محاولة لإظهار عدم الرغبة في التصعيد مع إسرائيل، مقابل ما وصفته بحالة "التذلل"، في وقت لا تبدي فيه إسرائيل أي تجاوب".
ميدانيًا، أشارت غدار إلى "استمرار المواجهات في القرى الحدودية"، مؤكدة أنّ "عمليات التصدي لأي توغل إسرائيلي واستهداف المستوطنات لا تزال مستمرة"، وأن "الزخم الميداني قائم رغم مرور أكثر من 15 شهرًا على الاغتيالات والغارات على قرى الجنوب والبقاع، في ظل عدم التزام إسرائيل بتنفيذ الاتفاقات، حتى تلك التي وصفتها بـ"السيئة"".
وفي الشق الإعلامي، تناولت "قضية توقيف الصحافي علي برّو، وما أثارته من جدل"، مشيرة إلى "تساؤلات حول المعايير المعتمدة، خصوصًا في ظل الحديث عن استهداف إعلاميين دون غيرهم". واعتبرت أنّ "هذه القضية تفتح باب النقاش حول حرية الإعلام وحدودها"، متسائلة "عمّا إذا كان لبنان لا يزال بلدًا يحترم الحريات أم يتجه نحو ممارسات قمعية".
وشددت على أنّ "الحريات لها سقف يحدده القانون والمحاكم المختصة بالصحافيين، وليس الأجهزة الأمنية"، معتبرة أنّ "أي توقيف تعسفي يشكّل "جريمة موصوفة""، داعية إلى "اعتماد معايير موحّدة وعدم الانتقائية في تطبيق القوانين".
وانتقدت غدار "أداء الحكومة برئاسة نواف سلام"، معتبرة أنّ "قراراتها تعكس خصومة مع شريحة واسعة من اللبنانيين تمثل، بحسب قولها، ثلث الشعب"، ووصفت هذه السياسات بأنها "غير عابرة". وأضافت أنّ ""الانبطاح والاستسلام" أمام التوجهات الأميركية والإسرائيلية، وفق تعبيرها، ليس قرارًا عفويًا بل يأتي ضمن سياق سياسي واضح".
كما انتقدت "بعض الوسائل الإعلامية"، معتبرة أنّها "تتبنى سرديات إسرائيلية عبر نقل تصريحات مسؤولين إسرائيليين من دون تمحيص"، مشددة على "ضرورة التزام الإعلام بالمعايير المهنية والمسؤولية، وعدم الترويج لخطاب الخصم".
وفي ما يتعلق بوزارة العدل، رأت أنّ "القرارات المتخذة منذ تولي الحكومة الحالية مهامها تحمل طابعًا تعسفيًا وتشمل مختلف الفئات، من رجال أعمال إلى سياسيين وصحافيين"، ما "يثير تساؤلات حول استقلالية القضاء". وأشارت إلى "قضية أحد القضاة الذي خضع للمساءلة رغم تطبيقه القانون"، معتبرة أنّ "ذلك يطرح علامات استفهام جدية".
كذلك، انتقدت "أداء وزارة الإعلام"، متسائلة عن "موقع الحريات في ظل السياسات الراهنة، خصوصًا في ضوء الشعارات السابقة المرتبطة بحرية التعبير"، معتبرة أنّ "هناك تناقضًا واضحًا بين الخطاب والممارسة".
وختمت غدار بالإشارة إلى أنّ "المشهد العام يعكس حالة احتقان شعبي لدى شريحة واسعة من اللبنانيين، لا تزال، بحسب وصفها، تقدّم التضحيات، في وقت تشعر فيه بأنها مستهدفة سياسيًا وإعلاميًا"، ما "يطرح تساؤلات جدية حول مستقبل الحريات والتوازنات الداخلية في لبنان".