تبدو المنطقة أمام مرحلة جديدة من التصعيد، بعدما اتخذت طهران قرارًا استراتيجيًا بالانتقال من سياسة الاحتواء إلى توسيع نطاق المواجهة، في خطوة تعكس تحولًا عميقًا في مقاربة الحرب وتداعياتها الإقليمية.
وبحسب تقرير للصحافيين إليئور ليفي ويوآف زهافي في "كان نيوز"، فإن "الحرس الثوري" الإيراني اتخذ خلال الأسبوع الماضي قرارًا وُصف بالدراماتيكي، يقضي بالانتقال من تكتيك "الدفاع الإقليمي" إلى ما سُمّي "تدويل الألم"، أي توسيع دائرة الضربات والردود بشكل غير متناسب.
وبدأت طهران، منذ نهاية الأسبوع الماضي، تنفيذ هذا التحول ميدانيًا عبر سلسلة خطوات تصعيدية واضحة. فقد استهدفت بنى تحتية للطاقة في دول الخليج، وأطلقت صواريخ باتجاه ديمونا، إضافة إلى قاعدة عسكرية في جزيرة "دييغو غارسيا" الواقعة على بُعد نحو 4000 كلم. كما سُجل ارتفاع ملحوظ في وتيرة الهجمات داخل السعودية خلال الأيام الأخيرة.
في موازاة ذلك، تواصل إيران رفع سقف التهديدات، حيث لوّحت بإغلاق كامل لمضيق هرمز، وبدأت بفرض رسوم عبور في المنطقة، إضافة إلى التلويح بإدخال الحوثيين بشكل أوسع في المواجهة، وتكثيف الهجمات في مختلف دول الخليج، وصولًا إلى تهديد مباشر باستهداف الدوحة ومقر شبكة "الجزيرة".
في الداخل الإيراني، تعكس هذه الخطوات تحوّلًا في موازين القوى داخل النظام. إذ نقل التقرير عن مصدر مطّلع على السياسة الإيرانية أن القيادة تتبنى نهجًا متشددًا، يقوم على عدم التراجع مهما كانت الكلفة، حتى لو طالت الأضرار المدنيين والبنى التحتية.
وأشار المصدر إلى أن تصفية شخصيات وازنة ذات توجهات براغماتية أدت إلى صعود تيار أكثر تشددًا، بات يمسك بزمام القرار، ويعطي الأولوية للتصعيد على حساب الاعتبارات الاجتماعية والاقتصادية.
وفي السياق نفسه، يتفاقم الضغط الاقتصادي داخل إيران نتيجة الحرب وتشديد العقوبات، ما يضرب قنوات تدفق الدولار، خصوصًا تلك التي كانت تمر عبر دول الخليج وتشكل شريانًا ماليًا أساسيًا للنظام. هذا الواقع يزيد من حدة الأزمة الداخلية ويثقل كاهل الشارع الإيراني، من دون أن يترجم حتى الآن إلى تغيير في سلوك السلطة.
في المحصلة، تكشف هذه المعطيات أن طهران لا تتجه نحو التهدئة، بل نحو تعميم المواجهة وتوسيعها جغرافيًا، ما يضع المنطقة، بما فيها لبنان، أمام مرحلة أكثر تعقيدًا، حيث لم يعد التصعيد محصورًا بساحات محددة بل مرشحًا لأن يصبح عابرًا للحدود والحسابات التقليدية.