تعيش صناعة الطيران العالمية واحدة من أعنف أزماتها منذ جائحة كورونا، مع تسبب الحرب في الشرق الأوسط في تعليق رحلات جوية وتبخر أكثر من 53 مليار دولار من القيمة السوقية لكبرى شركات الطيران، إلى جانب تصاعد المخاوف بشأن نقص الوقود، وفق تقرير لصحيفة "فاينانشال تايمز".
ومع دخول الصراع أسبوعه الرابع، أطلق مسؤولون تنفيذيون تحذيرات من تداعياته على قطاع شديد الحساسية لارتفاع أسعار النفط، واضطرابات مطارات الخليج المحورية، واحتمالات تراجع الطلب العالمي على السفر.
من المتوقع أن يواجه المسافرون، حتى على الرحلات البعيدة عن منطقة الخليج، زيادات حادة في أسعار التذاكر خلال الأشهر المقبلة، في ظل سعي شركات الطيران لحماية هوامش أرباحها.
وتضاعفت أسعار وقود الطائرات، الذي يمثل نحو ثلث تكاليف التشغيل، منذ الهجمات التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران نهاية الشهر الماضي، ولا تزال في مسار تصاعدي. ورغم لجوء العديد من الشركات إلى التحوط ضد تقلبات أسعار النفط، فإن الارتفاع الحاد في تكاليف الوقود سيجبرها على رفع الأسعار.
قال كينتون جارفيس، الرئيس التنفيذي لشركة "إيزي جيت"، إن أسعار الوقود شهدت ارتفاعًا كبيرًا بعد الحرب الروسية الأوكرانية في 2022، لكن الزيادة الحالية تجاوزت ذلك، مضيفًا أن الأزمة الراهنة تعد الأعنف منذ إغلاق الأجواء العالمية في 2020.
فقدت أكبر 20 شركة طيران مدرجة نحو 53 مليار دولار من قيمتها السوقية منذ اندلاع الحرب، في وقت كثف فيه المستثمرون رهاناتهم على مزيد من التراجعات. وأصبحت شركة "ويز إير" من أكثر الشركات التي يتم بيع أسهمها على المكشوف ضمن مؤشر "فوتسي 100"، إلى جانب استهداف "إيزي جيت" أيضًا.
جاءت الأزمة بعد تعافٍ قوي في الطلب على السفر منذ الجائحة، حيث سجلت عدة شركات أرباحًا قياسية. إلا أن المديرين التنفيذيين أبدوا قلقهم من قدرة الطلب على تحمل زيادات كبيرة في أسعار التذاكر.
وقال كارستن شبور، الرئيس التنفيذي لشركة "لوفتهانزا"، إن ارتفاع الأسعار قد يؤثر سلبًا على الطلب على المدى الطويل، لكنه شدد على أن رفع الأسعار بات أمرًا لا مفر منه، مشيرًا إلى أن متوسط الربح لا يتجاوز 10 يورو لكل راكب، ما يجعل امتصاص التكاليف الإضافية مستحيلاً.
بدأت شركات الطيران إعداد خطط طوارئ لمواجهة احتمال نقص وقود الطائرات. وأوضح بن سميث، الرئيس التنفيذي لمجموعة "إير فرانس–كيه إل إم"، أن الشركة تدرس إجراءات للتعامل مع ضغوط الإمدادات، بما في ذلك تقليص الرحلات إلى أجزاء من آسيا.
تتركز تداعيات الأزمة في منطقة الخليج، حيث اضطرت شركات كبرى مثل "طيران الإمارات" و"الاتحاد للطيران" و"الخطوط الجوية القطرية" إلى تقليص جداول رحلاتها نتيجة إغلاق الأجواء وتراجع السياحة.
وقال ويلي والش، المدير العام للاتحاد الدولي للنقل الجوي "إياتا"، إن الأزمة تمثل تحديًا كبيرًا لشركات الشرق الأوسط، وإن كانت لا تزال أقل حدة من أزمة الجائحة، مشبهًا الوضع بتراجع الطلب على الرحلات عبر الأطلسي بعد هجمات 11 سبتمبر.
ورجّح أندرو تشارلتون، رئيس شركة "أفيايشن أدفوكاسي"، أن تحتاج شركات الطيران الخليجية إلى دعم مالي من حكوماتها، محذرًا من أن الشركات التي لا تحظى بدعم حكومي قد تواجه صعوبات كبيرة.
امتدت التداعيات إلى قطاع الشحن الجوي، مع تحول البضائع من الشحن البحري المتعطل إلى الطائرات، ما أدى إلى ضغط كبير على بعض المطارات. وأشار جيوفاني روسو، المسؤول عن العمليات في مطار جنيف، إلى أن الرحلات المغادرة ممتلئة بالكامل، ما يدفع لنقل بعض الشحنات برًا إلى باريس.
ورغم الصورة القاتمة، توقع كينتون جارفيس تعافيًا سريعًا لأسهم شركات الطيران فور انتهاء الحرب، مشيرًا إلى أن الأسواق قد ترتد بسرعة مع أي إعلان لوقف إطلاق النار.