"ليبانون ديبايت"
في ظلّ التصعيد الإقليمي المتسارع، وتزايد المخاوف من تداعيات الحرب على الداخل اللبناني، حذّر الكاتب والمحلّل السياسي وجدي العريضي، في حديثٍ لـ"ليبانون ديبايت"، من خطورة المرحلة الراهنة، معتبراً أنّ لبنان يقف أمام مفترق مصيري قد يحمل في طيّاته مخاطر وجودية على مختلف المستويات.
وقال العريضي، إنّ الحرب الراهنة اليوم، من إيران إلى لبنان، أخطر بكثير من اجتياح العام 1982، حيث كان الهدف يومها السلطة الفلسطينية. ويومها كانت الأوضاع الاقتصادية والمالية في لبنان ممتازة، وكان هناك مصارف، وبالتالي فإنّ ما جرى لاحقاً من حروب لم يكن أيضاً كما هي حال "إسناد إيران" اليوم، حيث لا مصارف، والوضع الاقتصادي والاجتماعي في غاية الخطورة.
وأضاف أنّ هناك حالة انقسام سياسي بارزة، دون إغفال وجود نحو مليون نازح خارج منازلهم، معتبراً أنّ هذا "الترانسفير" هو الأخطر في تاريخ التهجير في لبنان في كل الحروب التي مرّت عليه. وقال: "أخشى ما أخشاه أن يتحوّل ذلك إلى قنبلة موقوتة قد تنفجر في أي وقت، في ظل حالة الانقسام السياسي السائد اليوم".
وتابع أنّ عودة التهديد والوعيد للحكومة بإسقاطها في الشارع إنما تهدّد السلم الأهلي، وربما تجرّنا إلى حرب أهلية جديدة. وبناءً عليه، دعا الدولة والحكومة والأجهزة المعنية، ولا سيما الجيش اللبناني، إلى ملاحقة مطلقي هذه التهديدات، وهم معروفون بالصوت والصورة والاسم.
وتساءل: "هل يمكن للبنان، وفي خضم ما يعانيه، أن يتحمّل أي فتنة في هذه المرحلة قد تجرّنا إلى حرب أهلية طاحنة؟"، مؤكداً أنّه لا يجوز أن يحاول أحد تغطية ذلك بالسموات والقبوات والإنشائيات، فهناك انقسام في البلد، ومليون نازح، وتهديد للحكومة بإسقاطها، وخلافات، ووضع اقتصادي صعب هو الأخطر في تاريخ لبنان، إضافة إلى اجتياحات مقبلة، وحرب لا أفق لها من إيران إلى لبنان.
وأضاف: "لا نزال ندفع ثمن سياسة المحاور والعقائد والأيديولوجيا، دون أن يكون هناك انتماء وطني. هي حروب الآخرين على أرضنا، شئنا أم أبينا، وهذه حقيقة لا يمكن القفز فوقها".
وفي سياق متصل، قال العريضي إنّ الحكومة تقوم بجهد جبّار في موضوع النازحين، وكذلك مجلس الجنوب، بشخص رئيسه المهندس هاشم حيدر، عبر الإغاثة على مدار اليوم، وفي ظل ظروف وإمكانات متاحة.
وأشار إلى "نكبة أخرى"، تتمثّل بأنّ نحو 600 ألف لبناني يعملون في دول الخليج، وهؤلاء يضخّون سبعة مليارات دولار سنوياً للخزينة والاستثمار، ولعائلاتهم وذويهم. ولفت إلى أنّه في حرب الإسناد لغزة كان هناك جسر جوي من دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية والكويت وسائر دول مجلس التعاون الخليجي لدعم لبنان.
وتابع: "لكن اليوم ماذا يحصل؟ هناك قصف وحقد إيراني على دول مجلس التعاون الخليجي"، داعياً إلى أن يتضامن اللبنانيون مع الخليج من باب الوفاء بالجميل، حيث إنّ السعودية والكويت والإمارات وسواهم لم يقصّروا يوماً في دعم اللبنانيين واحتضانهم منذ العام 1975، ولم يُرحّلوا أي مواطن إلا من كانوا خارجين عن القانون، بل احتضنوهم، وهم اليوم في الإمارات يُعامَلون كما المواطنين، وكذلك في السعودية والكويت وسائر الدول الخليجية.
وأضاف أنّه "على رئيس الجمهورية أن يحتضن رجل الأعمال الإماراتي الشيخ خلف أحمد الحبتور، الذي تعرّض لحملات، رغم كونه المستثمر الأبرز في لبنان والداعم الأقوى له في هذا البلد الذي أحبّه وعشقه". ورأى أنّه يجب أن تكون هناك لفتة وطنية كبيرة من رئيس الجمهورية تحديداً وسائر المسؤولين تجاهه وتجاه كل الخليجيين، والوقوف إلى جانبهم، خصوصاً أنّ لبنان يتعرّض لحرب لا ناقة له فيها ولا جمل.
واعتبر أنّنا أمام "معركة وجودية مفصلية تاريخية"، فإمّا نصل إلى تسوية وإمّا تتوقف الحرب، مؤكداً أنّ ما بعد هذه الحرب ليس كما قبلها. وأشار إلى أنّ هناك مفاوضات مباشرة ستحصل، وربما تسوية كبيرة، لكن الماضي مضى ولا يمكن البقاء على التسويات الهشّة.
وأضاف: "نحن اليوم، وبعد كل هذه الحروب، بحاجة إلى مفاوضات مباشرة، ولا يُتحفنا أحد في المزايدات والتباهي بإسقاط 17 أيار، الذي كان خلفه حافظ الأسد، وهو من طلب من حلفائه إسقاطه، فسوريا نعمت بازدهار وبحبوحة، فيما لبنان استمر في الحروب بتغذية من نظام البعث، وحلفاء الأسد نفّذوا تلك الأجندة بإسقاط 17 أيار".
وتابع: "إمّا أن يكون هناك مفاوضات مباشرة مع إسرائيل وسلام عادل وشامل، أو تسوية، فلا أحد يريد التطبيع أو السلام المنفرد، إنما هذه المزايدات والشعبوية والعقائد التابعة لهذا المحور أو ذاك باتت عدّة خشبية طواها الزمن".
وأشار إلى أنّ "المفاوضات مع العدو هي آخر فرصة متاحة للبنان"، لافتاً إلى أنّه، بحسب معلومات مؤكدة لديه، لا الولايات المتحدة الأميركية تريد المفاوضات المباشرة ولا إسرائيل، ومن الطبيعي أن يعارضها حزب الله وإيران وبعض الأطراف في لبنان، لكن هذه المواقف لا تقدّم ولا تؤخّر إلى أن نصل إليها.
وختم العريضي، بالقول: "الكلمة اليوم للميدان، وبعدها يُبنى على الشيء مقتضاه. لكن الساعات المقبلة والأيام القادمة ستكون بمثابة جهنّم في هذا البلد. هناك اجتياحات، وهناك خرائط جديدة، وهناك حرب ستكون مدمّرة". وأضاف: "نخشى التداعيات، وما أدراك ما التداعيات من فتن متنقّلة، وآمل أن لا نصل إلى حرب أهلية، ويبقى القلق أيضاً على الوضع الاقتصادي والاجتماعي، فالناس تعاني، والعالم تغيّر وتبدّل. إنها الحرب، وإذا أحسنّا إدارة البلد بعيداً عن التهديد والوعيد والخلافات والانقسامات نتجاوزها، ولكن على من تقرأ مزاميرك يا داود؟"