"ليبانون ديبايت"- سمر يموت
لم تعد الطائفية في لبنان مجرّد خلفية صامتة للأحداث، بل عادت بقوة إلى الواجهة، تُسمع في الشارع كما على وسائل التواصل، وتظهر للأسف بوضوح مع كل تصعيد أمني أو اعتداء إسرائيلي. ترتفع الأصوات من الجانبين، جمهورٌ مؤيّد لسلاح "المقاومة" يرى في المواجهة مسألة "كرامة وعزّة"، وجمهورٌ آخر يرفض توريط لبنان في حرب جديدة ويطالب بنزع سلاح "حزب الله" كي لا يبقى للعدو الإسرائيلي أيّ ذريعة لشنّ اعتداءاتٍ على لبنان كلّما يحلو له.
لا يقف الانقسام في لبنان عند حدود الرأي السياسي، بل يتخطّاه إلى لغة التخوين المتبادل، حيث يتّهم كل طرف الآخر بالارتهان لمحاور خارجية. هذا يتّهم خصومه بالانتماء إلى محور إيراني، وذاك يتهم الآخر بالعمالة أو "الصهيونية". وبين هذه الشعارات المتقابلة، يتعمّق الشرخ داخل المجتمع، ويبدو اللبنانيون وكأنهم يعيشون واقعين متوازيين، لكلّ منهما روايته وخوفه وأولوياته.
في هذا المناخ المشحون، تتراجع فكرة المواطنة أكثر فأكثر، وتعلو الهويات الطائفية والمذهبية على حساب أي انتماء جامع، لتطرح مجدداً السؤال القديم، هل ما زال مُمكناً بناء هوية وطنية واحدة في بلدٍ تتجدّد انقساماته مع كل أزمة؟
في هذا السياق، ترى الدكتورة فريال حلاوي، الأخصائية في علم النفس الاجتماعي، أنّ مفهوم المواطنة في لبنان لا يزال هشّاً وصعب التحقّق، في ظلّ بنية اجتماعية تقوم على الانتماءات الجزئية أكثر مما تقوم على الانتماء الوطني. وتشير إلى "أنّ الخطاب السائد غالباً ما يرفع شعارات الانفتاح وقبول الآخر، غير أنّ هذه الشعارات سرعان ما تتلاشى عند أول اختبار، حيث تتقدّم الهويات الطائفية والمذهبية، ويعود الأفراد إلى جماعاتهم طلباً للأمان".
هذا الواقع يعكس نمطاً متجذّراً في المجتمع، حيث تُستعاد الهويات الضيّقة كلما غابت الدولة القادرة على الحماية. في هذا الإطار، تستحضر حلاوي، ما طرحه ابن خلدون، حول تراجع العصبيات القبلية لصالح الدولة القوية، معتبرة أنّ "غياب هذا النموذج في لبنان يُفسّر عودة الأفراد إلى انتماءاتهم الأولية." وتشير إلى ما ورد في أطروحات أمين معلوف، ولا سيما في كتابه "الهويات القاتلة"، حيث يبيّن أنّ معظم الصراعات في العالم تنشأ تحت عناوين إثنية أو دينية أو طبقية. وتؤكّد أنّ" هذا الطرح ينسحب إلى حدّ كبير على الواقع اللبناني، حيث تتحوّل "الهوية الجزئية" إلى مُحرّك أساسي للصراع، في ظلّ تراجع مفهوم المواطنة."
وتلفت حلاوي إلى أنّ تفاقم هذا الواقع، يرتبط أيضاً بدور "الجيوش الإلكترونية" التي تعزّز خطاب الكراهية وترفض الرأي الآخر، وصولاً إلى مستويات خطيرة من "الإقصاء" و"تحليل الدم" قد تصل إلى تبرير العنف. وتضيف أنّ "بعض الجماعات تلجأ إلى تضخيم الخوف من "الآخر الداخلي" بهدف شدّ عصب جمهورها والحفاظ على تماسكها، رغم أنّ هذا "العدو" يكون في كثير من الأحيان وهمياً أو مبالغاً في تصويره."
وفي مقابل هذا الواقع، تعتبر حلاوي أنّ "العمل التطوّعي يشكّل أحد المداخل الأساسية لكسر هذه الحواجز، إذ يتيح للأفراد التلاقي بعيداً عن الانتماءات الضيّقة، ويعزّز النظرة الإنسانية إلى الآخر". وتشير إلى "أنّ المتطوّع، في الميدان، لا يسأل عن هوية من يساعده، بل يتعامل معه كإنسان، ما يساهم في تخفيف منسوب التعصّب. غير أنّها تأسف لأنّ هذه المبادرات تبقى غالباً ظرفية، تظهر خلال الأزمات ثم تتراجع".
تبدو المواطنة في لبنان مشروعٌ غير مكتمل، في ظلّ استمرار الانقسامات وتعذّر بناء دولة قادرة على احتضان جميع مواطنيها. هنا تشدّد حلاوي على أنّ "الخروج من هذا الواقع يتطلّب إعادة النظر في التربية الاجتماعية والثقافية، وتعزيز القيم الإنسانية الجامعة التي تتجاوز الانتماءات الضيّقة".
لطالما كان لبنان حالة فريدة في العالم العربي بتعدّد طوائفه وتنوّع مكوّناته. تنوّعٌ كان يفترض أن يكون مصدر غنى لا سبباً للصراع. فهل آن الأوان أن يُدرك اللبنانيون قيمة هذا التعدّد، ويحموه من الانزلاق إلى خطاب التخوين والكراهية الذي يُهدّد ما تبقّى من هذا النموذج الفريد؟