المحلية

ليبانون ديبايت
الخميس 26 آذار 2026 - 08:00 ليبانون ديبايت
ليبانون ديبايت

هل يجهل شارل حج أم يتجاهل؟... أسئلة قاسية تطرحها وثيقة الـ38 صفحة

هل يجهل شارل حج أم يتجاهل؟... أسئلة قاسية تطرحها وثيقة الـ38 صفحة

“ليبانون ديبايت”


في وقتٍ يخوض فيه لبنان واحدة من أخطر مراحله، حيث تُثقل الحرب الضروس كاهل البلاد، وينشغل المواطنون بتأمين سلامتهم وسلامة عائلاتهم، فيما أكثر من مليون مهجّر يبحثون عن مأوى، اختار وزير الاتصالات شارل حج هذا التوقيت بالذات لطرح مشروع سياسة يُعاد عبره رسم مستقبل قطاع بأكمله. توقيت يثير أكثر من علامة استفهام: هل نحن أمام صدفة إدارية، أم أمام محاولة لتمرير خطة مثيرة للجدل في لحظة انشغال وطني شامل؟


وقد فتحت وزارة الاتصالات باب الاستشارة العامة حول مشروع السياسة الوطنية للاتصالات والبنية التحتية الرقمية للفترة 2026–2030، في خطوة وُصفت بأنها أول توجيه وزاري رسمي بموجب قانون الاتصالات رقم 431 منذ أكثر من عقدين. غير أنّ الوثيقة الصادرة في 10 آذار 2026 عن الوزير شارل حج، والتي يُفترض أن تؤسس لمرحلة إصلاحية، جاءت محمّلة بثغرات قانونية وهيكلية عميقة تطرح علامات استفهام جدية حول جدواها ومصداقيتها.


الوثيقة ترفع شعارات طموحة من قبيل “إعادة بناء النظام المؤسسي” و”تحرير القطاع” و”تحويل لبنان إلى مركز رقمي إقليمي”، إلا أنّ قراءة قانونية معمّقة تكشف ما لا يقل عن 13 تعارضاً مباشراً مع القوانين اللبنانية النافذة، ولا سيما قوانين الاتصالات والمنافسة وحماية البيانات. وهذه التناقضات لا يمكن التعامل معها كأخطاء تقنية عابرة، بل تُشكّل ضرباً واضحاً لمبدأ سيادة القانون الذي تدّعي السياسة الالتزام به.


والأخطر من ذلك أنّ الوثيقة تُغفل، بصورة فاضحة، ذكر فئة أساسية في القطاع، هي مزوّدو خدمات البيانات (DSP)، الذين شكّلوا العمود الفقري للاتصال المؤسسي في لبنان منذ عام 1996. هؤلاء المشغّلون، الذين حموا استمرارية قطاعات حيوية كالمصارف والمستشفيات والجامعات خلال الحروب والانهيارات، يُمحَون بالكامل من نصّ يُفترض أنه يرسم مستقبلهم. وهذا الإغفال لا يمكن تفسيره إلا كإقصاء متعمّد أو استهتار غير مسبوق بدور القطاع الخاص.


وفي المقابل، تُختزل الإشارة إلى مزوّدي خدمات الإنترنت في سياق “الشبكات غير الشرعية”، فيما يتمحور المشروع بالكامل حول لبنان تليكوم وشركات الخلوي وأصول الدولة. والنتيجة واضحة: سياسة تُصاغ لخدمة كيانات الدولة، فيما يُدفع المشغّلون الخاصون إلى الهامش، كأنهم عبء يجب ضبطه، لا شركاء في بناء القطاع.


وتطرح الوثيقة ما يُسمّى “الرخصة الشاملة” (Universal License)، وهي فكرة تبدو، نظرياً، إصلاحية، إلا أنها ببساطة غير موجودة في الإطار القانوني اللبناني الحالي. ورغم إقرار الوزارة بالحاجة إلى تعديل القانون 431، فإنها تضع منح هذه الرخصة للبنان تليكوم ضمن أولويات الأشهر الستة الأولى، في تجاوز واضح لدور البرلمان. والأسوأ أنّ المشغّلين الحاليين لا يُمنحون أي أولوية مماثلة، ما يكشف ازدواجية فاضحة في التعاطي.


أما النموذج الذي تقترحه السياسة، فيجمع بين أسوأ ما يمكن تخيّله: الدولة كمنظّم ومنافس ومحتكر في آنٍ واحد. فلبنان تليكوم سيملك كامل البنية التحتية للجملة، وسينافس، في الوقت نفسه، على مستوى التجزئة، فيما يُجبر القطاع الخاص على شراء خدماته منه بشروط وأسعار يفرضها بشكل أحادي. وحالياً، يدفع مزوّدو الإنترنت نحو 16 دولاراً لكل ميغابيت/ثانية للسعة الدولية، إضافة إلى تكاليف الربط الوطني المرتفعة، من دون أي رقابة تنظيمية حقيقية.


ورغم أنّ قانون المنافسة رقم 281/2022 يحظر هيمنة تتجاوز 35% من السوق، فإن السياسة تمنح لبنان تليكوم سيطرة كاملة بنسبة 100% على البنية التحتية، من دون فرض أي ضوابط فورية على التسعير أو الوصول أو الفصل المحاسبي. وهذا ليس إصلاحاً، بل إعادة إنتاج فجّة للاحتكار بغطاء “حديث”.


وفي ما يتعلق بشركات الخلوي، تعود السياسة لتطرح نموذج “شراكات الإدارة”، متجاهلة فشل هذا النموذج مرتين سابقاً، حين أدّى إلى استنزاف الموارد وإهمال الاستثمار وتراجع جودة الشبكات. إنّ تجاهل هذا التاريخ يعكس إما عجزاً عن التعلّم، وإما إصراراً على تكرار الأخطاء نفسها.


ولا تفسّر السياسة لماذا سينجح هذا النموذج هذه المرة. كما لا تفسّر لماذا لا يستطيع كفاءات لبنانيون، كثيرون منهم يديرون شركات اتصالات كبرى في الخليج، تولّي إدارة هذه الشبكات. أما البديل الأفضل، أي إدراج لبنان تليكوم وألفا وتاتش في بورصة بيروت، فمن شأنه أن يدرّ إيرادات للحكومة، ويخلق ملكية وطنية حقيقية، ويفرض شفافية عبر متطلبات الإدراج. ومع ذلك، لا تدرس السياسة هذا الخيار.


ولا يقتصر أثر هذا الخيار على تحسين الحوكمة فحسب، بل يتعدّاه إلى إنعاش سوق بورصة بيروت نفسه. فإدراج لبنان تليكوم وألفا وتاتش في بورصة بيروت من شأنه أن يضخّ حياة جديدة في سوق شبه مشلول، ويفتح الباب أمام المستثمرين اللبنانيين للمشاركة المباشرة في ملكية أصول استراتيجية وطنية. بدل حصر الفوائد المحتملة بشركات إدارة أجنبية أو نماذج تعاقدية تستنزف الإيرادات، يتيح هذا الخيار توزيع العوائد داخل الاقتصاد اللبناني، ويعزّز الثقة بالقطاع المالي، ويخلق دينامية استثمارية طال انتظارها. تجاهل هذا المسار يطرح سؤالاً مشروعاً: لماذا تُستبعد فرصة تمكين المستثمر اللبناني، لمصلحة خيارات قد تُفيد الخارج أكثر مما تخدم الداخل.


وفي السياق نفسه، تتجاهل الوثيقة خياراً بديهياً وأكثر شفافية، هو إدراج لبنان تليكوم وألفا وتاتش في بورصة بيروت، بما يضمن رقابة السوق ويؤمّن إيرادات للدولة. وهذا الخيار غير مطروح أصلاً، ما يثير تساؤلات جدية حول نوايا الإصلاح الفعلية.


إلى ذلك، تفتح السياسة الباب أمام مشغّلي الأقمار الصناعية مثل “ستارلينك”، من دون أي معالجة للفوارق الهائلة في الكلفة. فالمشغّل الأجنبي لا يتحمّل أعباء البنية التحتية ولا الرسوم ولا الضرائب المحلية، ما يخلق تشوّهاً تنافسياً واضحاً يتعارض مباشرة مع المادة 3 من قانون المنافسة. ومع ذلك، تلتزم الوثيقة صمتاً مريباً حيال هذه المسألة. ومثال على ذلك أنّ مزوّدي خدمات الإنترنت يدفعون حالياً نحو 16 دولاراً لكل ميغابيت/الثانية من السعة الدولية عبر بوابة الدولة المحتكرة، وهو سعر مفروض من جانب واحد، من دون رقابة تنظيمية أو منهجية كلفة. كما يدفعون نحو 2 دولار لكل ميغابيت/الثانية لخطوط الربط الوطنية (NLL)، مع فترات انتظار تمتد لأشهر. ويدفع مزوّدو خدمات البيانات، إضافة إلى ذلك، حصة من الإيرادات للخزينة، وهي التزامات لا تخضع لها شركات الخلوي ولا لبنان تليكوم بالشروط نفسها.


وعلى الصعيد الدستوري، تتجاوز السياسة حدودها كـ”توجيه وزاري”، إذ ترسم مسارات تفصيلية للشركنة والخصخصة، وهي قرارات سيادية تعود حصراً لمجلس الوزراء. كذلك، تفرض جدول أعمال مفصّلاً على الهيئة المنظّمة، ما يقوّض استقلاليتها ويحوّلها إلى جهاز تابع للوزارة.


ومع فتح باب الاستشارة العامة حتى 27 آذار 2026، من المتوقّع أن تتوالى الانتقادات من مختلف أصحاب المصلحة. إلا أنّ جوهر المشكلة لا يكمن في حجم الاعتراضات، بل في مدى استعداد الوزارة للإصغاء إليها.


الوزير شارل حج أمام اختبار حقيقي. فإما أن يعيد النظر جذرياً في وثيقة مليئة بالتناقضات والانحيازات، وإما أن يُسجَّل في عهده تكريس نموذج احتكاري جديد بواجهة إصلاحية. وبصيغتها الحالية، لا تبدو هذه السياسة خريطة طريق نحو سوق تنافسية، بل مشروعاً لإعادة مركزة القطاع بيد الدولة، وإقصاء كل من ساهم فعلياً في إبقائه على قيد الحياة لعقود.


وفي حال لم يُجرَ تصحيح جذري، فإن هذه الوثيقة لن تُذكر كإصلاح، بل كنقطة تحوّل أعادت فيها الدولة إحكام قبضتها على قطاع الاتصالات، تحت غطاء استشاري شكلي لا يغيّر من واقع الهيمنة شيئاً.

تــابــــع كــل الأخــبـــــار.

إشترك بقناتنا على واتساب

WhatsApp

علـى مـدار الساعـة

arrowالـــمــــزيــــــــــد

الأكثر قراءة