"ليبانون ديبايت"
فيما تستمر الحرب الإقليمية بوتيرة تصاعدية كبيرة، يطل الحديث عن المفاوضات ليخرق جدار الأزمة وربما يؤدي إلى وقف لإطلاق النار، لكن ما تم تناوله عن شروط أميركية يبعد احتمال هذه الفرضية، بما تشكله من بنود تعجيزية لا يمكن للجمهورية الإيرانية القبول بها.
وفي هذا الإطار، يقدم الخبير في الشؤون الإيرانية، الدكتور حكم أمهز، في حديث إلى "ليبانون ديبايت" قراءة معمقة حول البنود الأميركية للذهاب إلى مفاوضات مع إيران، وبالمقابل الشروط الإيرانية في هذا الإطار.
الشروط الأميركية "تعجيزية واستسلامية"
بالنسبة إلى الشروط الأميركية، يعتبرها الدكتور أمهز تعجيزية وشروط استسلامية وإلزامية. "كأن الجيل الأميركي يفرض شروطًا على دول مهزومة"، يقول. ومع ذلك، يتابع الإيرانيون عن كثب، فبالرغم من كل الكلام، فقد صرح ترامب أن حديثه وسيلة حربه، وقال إنه هزم إيران ومحاها على الخريطة.
وأشار إلى أن القدرات العسكرية الإيرانية تصل إلى 90% في المجال الصاروخي، وقدرة المسيّرات والطائرات بدون طيار تبلغ 85%. لكن اليوم لم يعد أحد يجرؤ على الحديث عن هذه المسيّرات والقدرة الصاروخية، لأن الإيرانيين مستمرون في القصف. والأمر واضح، فالكيان الإسرائيلي ومنظوماته الدفاعية فقدت جزءًا كبيرًا من قدراتها، ويمكن رؤية سقوط الصواريخ الإيرانية على الكيان الإسرائيلي، حيث تستبيح سماءه وتصل إلى المكان الذي ترغب فيه.
وأضاف أن القواعد الأميركية في المنطقة كلها تعرضت للاستهداف والتدمير وفقدت فعاليتها، وبالتالي إذا كانت هذه القواعد لا تستطيع حماية نفسها، فهي غير قادرة على حماية أي دولة عربية أو غير عربية، ولا حتى إسرائيل أو إيران.
فعليًا، أن يأتي أحد ليقول إنه يمكن فرض شروط استسلامية انهزامية على دول ما زالت مواجهة وتواصل الاستهداف وإطلاق الصواريخ، فهذا كلام مبالغ فيه وخارج عن الواقع ومنفصل عنه. لذا فإن الشروط التي تتحدث عنها الولايات المتحدة الأميركية أصلاً لا منطقية ولا مقبولة، وهي تعجيزية ومستحيلة التنفيذ بالنسبة لإيران.
الشروط الإيرانية: حق قانوني
أما بالنسبة للشروط الإيرانية، فهي ليست تعجيزية، بل هي حقوق قانونية تقرّها القوانين الدولية ومواثيق الأمم المتحدة. من حق إيران أن تشعر بالأمن والأمان، وأن لا تتعرض لأي تهديدات، لأن الحرب، بحسب الخبراء والأوروبيين، غير قانونية وغير مبررة، ولم يصدر مجلس الأمن أي قرار بشأنها. وبالتالي، يجب على الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي تحمل التبعات، بما في ذلك تفعيل التعويضات.
وأشار أمهز إلى أن موقع "أكسيوس" سرب مؤخرًا أن الأميركيين مستعدون للنظر في موضوع التعويضات، خصوصًا من الأموال الإيرانية المجمدة منذ 47 سنة في الولايات المتحدة. هذا التراجع، إذا صحت المعلومات، يُعد إقرارًا بحق إيران.
وأضاف أن كل الأمور الإيرانية مرتبطة بالقانون، مثل البرنامج النووي، فالتخصيب النووي حق تكفله القوانين الدولية ومعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية. إيران موقعة على المعاهدة وتعمل ضمن مظلتها القانونية، بينما الأميركيون والإسرائيليون غير موقعين ويمتلكون أسلحة نووية. ولا أحد في المجتمع الدولي يجرؤ على مطالبة إسرائيل بالتفتيش أو فحص منشآتها النووية. لذا، إيران تطالب بحقها القانوني وفق القوانين الدولية، وهي لا تسعى لصنع السلاح النووي، وقد أعلنت ذلك مرارًا. ولولا الجرأة، لما اختارت مواجهة أعظم قوتين في العالم، الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي.
ويلفت إلى أن النقطة الثانية التي طرحتها إيران هي حماية حلفائها في المنطقة، فالحروب التي تشنها الولايات المتحدة تحت عنوان حماية حلفائها ليست كما تدعي، بل هي في حقيقتها حرب إسرائيلية. وبالتالي، من حق إيران وفق المنطق ذاته أن تحمي حلفاءها في المنطقة.
إيران لا تطالب بأكثر من حقها القانوني، ولا تفرض شروطًا استسلامية أو إلزامية على الأميركيين، بل تتحدث وفق ما يكفله القانون الدولي ومواثيق الأمم المتحدة. أما الأميركي فيدّعي أنه هزم إيران، ومن هنا يفرض شروطه، وإيران ترفضها ربما بالكامل، فهي غير قانونية وغير ميثاقية.
إيران تطالب أيضًا بالسيادة الكاملة على مضيق هرمز، وهذا يتناقض مع طموحات ترامب في النفوذ بالمنطقة. وإذا كان هناك ممرات، فإن مسؤولية الإشراف تتقاسم مع الدول المطلة على المضيق وفق القانون الدولي، فإيران مسؤولة عن أمن وسلامة السفن، ومن الطبيعي أن تتنسق السفن مع الدول المطلة على المضيق. لذا، لمصلحة ماذا تأتي الولايات المتحدة لتفرض إشرافًا؟ يشبه هذا ما كان يطرحه ترامب بشأن غرينلاند أو ضم كندا، وهو أمر غير طبيعي، مشيراً إلى مدى ابتزاز نتنياهو لترامب على خلفية فضائح إبستين، بما مكنه من جره إلى هذه الحرب التي ليست لصالح الشعب الأميركي تماماً.
صعوبات ميدانية وعسكرية معقدة
وفيما يخص الحديث عن احتمال هجوم بري أميركي للسيطرة على أهم الجزر الإيرانية، وهي جزيرة خارك الغنية بالنفط، يوضح أمهز أنه إذا نفذ ترامب هذه الخطوة، فإنها ستكون خدمة للجمهورية الإسلامية الإيرانية، لأن كل من يحاول دخول جزيرة خارك التي تقع في الخليج الفارسي لن ينجو إلا بالتوابيت.
وشرح سيناريوهات العملية:
الاحتمال الأول: دخول القوات عبر البحر، لكن يتعين المرور أمام الإيرانيين، ما يجعل التعرض للاستهداف محتملاً، وهذا الخيار صعب التنفيذ.
الاحتمال الثاني: الانطلاق من الشواطئ العربية المقابلة، وتحديدًا من الإمارات، وهو الأقرب، ما يجعل كل المنشآت والاقتصاد في تلك المناطق عرضة للاستهداف.
الاحتمال الثالث: الإنزال الجوي، لكن الإيرانيين مستعدون ولن يسمحوا بتثبيت أي قوات على الأرض.
وأضاف أن الإمدادات العسكرية وغير العسكرية ستكون صعبة جدًا، خصوصًا أن الجزيرة تبعد حوالي 25 كلم عن الشاطئ الإيراني مقابل مدينة بوشهر، ما يقلل إمكانية الصمود.
حرب طويلة وتداعيات داخلية أميركية
وأشار أمهز إلى أن "إيران مستعدة لخوض حرب طويلة، في حين أن الشعب الأميركي لا يتحمل حروبًا طويلة، وأي تطور قد يؤدي إلى تحركات داخلية واسعة في الولايات المتحدة".
ولفت إلى أن "هناك من يرى أن ترامب قد ينهي حياته السياسية بهذه الحرب، وأنه أقحم الولايات المتحدة في مواجهة غير محسوبة رغم تحذيرات داخلية من أن هذه الحرب غير مضمونة النتائج وستكون مكلفة جدًا".
وأضاف: "ورغم كل التحذيرات، أخذ دونالد ترامب القرار ما قد يؤدي إلى تراجع النفوذ الأميركي، مشدداً على أن الولايات المتحدة هنا زجّت بأموال المكلف الأميركي في هذه الحرب خدمة للكيان الصهيوني".
أما حول مدة الحرب، فتوقف أمهز عند ملاحظة هامة، وهي أن منظومات الدفاع الجوية الأميركية والإسرائيلية تتراجع بشكل كبير، وأصبحت الصواريخ الإيرانية تصل إلى كافة الأماكن وفق التصريحات الإسرائيلية. وبعد المراجعة الإعلامية للأسبوع الماضي، يذكر أنه كان يقول إنه إذا انتهت هذه الحرب خلال عشرة أيام، فهذا جيد، أما إذا لم تنته فهي حرب طويلة.
وبالنسبة للتصريحات التي أطلقها ترامب حول موضوع المساومات وغيرها، قال أمهز إن الإيرانيين قادرون على التعامل معها باعتبارها خداعاً ومراوغة، مضيفًا: "يمكن أن يقوم الأميركي بشيء مفاجئ".
وعن المفاوضات، أشار إلى أن إيران تتعامل معها بحذر شديد، مع إدراك أن بعض الأمور مجرد خداع ومراوغة من الطرف الآخر. وأكد أن "الأمور واضحة، وأن المعركة طويلة، وهذه معلومات يجب أخذها بعين الاعتبار".
وأوضح أن الإيرانيين، عندما وضعوا خطة الحرب مع الإسرائيلي والأميركي، كان أحد أهداف الاستراتيجية أن تكون حرباً استنزافية وطويلة، لأن الحرب الطويلة هي نقطة ضعف قاتلة للأميركيين، كما تظهر خبراتهم في فيتنام وأفغانستان والعراق ولبنان والصومال، حيث تكلف الحروب الطويلة الشعب الأميركي الكثير من المرارة والجنود في القبور، ما يضعف عزيمتهم.
أما بالنسبة للإسرائيليين، فأوضح أمهز أن الحروب الطويلة ليست في صالحهم أيضاً، فحتى مع الدعم العسكري الكبير من الولايات المتحدة، فهي لم تخض حرباً طويلة إلا في غزة حيث الأمور تختلف هناك.
وعن قدرة الجمهورية الإيرانية على الصمود، أشار إلى أن إيران تخوض حرباً مع الولايات المتحدة، ومع القواعد العسكرية الأميركية في المنطقة، ومع مصالحها المنتشرة، ما يجعل هذه الحرب متعددة الجبهات. ومع ذلك، فإن إيران صامدة، متناولاً الالتفاف الشعبي الواسع حول القيادة، حيث يتابع الشعب التظاهرات اليومية بعد المغرب وحتى الثالثة صباحاً، ويشارك فيها رجال ونساء وأطفال وكبار، وهو احتضان كبير وغير مسبوق للقيادة.