"ليبانون ديبايت" - بيا ماريا عيد
في واحدة من أخطر المؤشرات على تراجع المعايير الإنسانية في زمن النزاعات، تتصاعد المخاوف إزاء دعوات مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني لتجنيد مراهقين ابتداءً من سن 12 عاماً، في خطوة تضع طهران مجدداً تحت مجهر الاتهام بارتكاب انتهاك صارخ لحقوق الطفل وللقانون الدولي الإنساني.
هذه الدعوات، التي تستهدف فئة عمرية لا تزال في طور التكوين النفسي والجسدي، لا يمكن فصلها عن سجل تاريخي طويل من استخدام الأطفال في النزاعات المسلحة، وهو سجل موثّق من قبل منظمات دولية وحقوقية، ويعيد إلى الواجهة واحدة من أكثر الجرائم فداحة في الحروب الحديثة: تجنيد الأطفال.
ليست هذه السابقة الأولى في هذا السياق. خلال الحرب العراقية – الإيرانية، جرى تجنيد فتيان لا تتجاوز أعمارهم 12 عاماً ضمن قوات "الباسيج"، حيث أُشركوا في مهام بالغة الخطورة، من بينها إزالة الألغام عبر التقدم في حقول مزروعة بالمتفجرات. وقد لعبت الدعاية حينها دوراً محورياً في تعبئة المجتمع، بما في ذلك الأطفال، عبر خطاب يمزج بين الواجب الديني والتضحية الوطنية.
وتُظهر وثائق أرشيفية، بينها مواد محفوظة في جامعة شيكاغو، كيف خُلّدت صور هؤلاء الأطفال في ملصقات دعائية، تجمع بين تمجيد "البطولة" ورثاء "البراءة المفقودة"، في مشهد يعكس حجم التناقض بين الخطاب التعبوي والواقع الإنساني القاسي.
"هؤلاء هم أبطالنا" (1980)

في هذا الملصق الذي أُنتج بعد عام على اندلاع الحرب العراقية – الإيرانية، يظهر صبي صغير يستعد للالتحاق بقوات "الباسيج" شبه العسكرية، في مشهد تختلط فيه رمزية التضحية بملامح الطفولة. يقف الطفل بوجه حازم، بينما تتشبث به شقيقته باكية، في صورة تختصر مأساة الفقد المبكر وتحوّل البراءة إلى وقود للحرب.
"فتاة صغيرة تحمل بندقية" (1979)

في هذا الملصق، تظهر فتاة صغيرة ترتدي الشادور الكامل، تحمل بندقية "كلاشينكوف" وقد زُرعت في فوهتها زهرة، في صورة تجمع بين رمزية الحياة والموت، الطفولة والعسكرة. ويعكس هذا التناقض البصري رسالة دعائية تسعى إلى تطبيع فكرة انخراط الأطفال، ذكوراً وإناثاً، في العمل العسكري تحت عنوان "الدفاع".
ويستند الملصق إلى مقولة لآية الله طالقاني تؤكد أن "الجيش ليس حكراً على القوات المسلحة"، بل يشمل المجتمع بأسره، بما فيه الأطفال. وتبرز في الخلفية مجموعة من الجنود، في إشارة إلى الجهوزية الجماعية للقتال، فيما تقف الطفلة في المقدمة كرمز لتحوّل الطفولة إلى أداة ضمن منظومة التعبئة.
هذا المشهد لا يختزل فقط خطاب تلك المرحلة، بل يكشف أيضاً عن آلية ممنهجة لدمج الأجيال الصغيرة في سردية الحرب، بما يحمله ذلك من تداعيات إنسانية عميقة.
في السياق المعاصر، وثّقت منظمات حقوقية، بينها "هيومن رايتس ووتش" في 1 تشرين الأول 2017، حالات تجنيد أطفال أفغان مهاجرين في إيران، بعضهم دون سن 14 عاماً، للقتال في سوريا ضمن تشكيلات مدعومة من الحرس الثوري.
وأظهرت التحقيقات مراجعة صور قبور لمقاتلين قُتلوا في سوريا، تبيّن أن عدداً منهم كانوا أطفالاً، رغم تسجيلهم رسمياً كراشدين. كما أكدت عائلات بعضهم أنهم زوّروا أعمارهم للانضمام إلى القتال، ما يشير إلى انتشار الظاهرة على نطاق أوسع مما هو معلن.

من الناحية القانونية، لا يترك المجتمع الدولي مجالاً للالتباس في هذه القضية. فالقانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف، إضافة إلى اتفاقية حقوق الطفل والبروتوكولات الملحقة بها، تنص بشكل واضح على:
- حظر مشاركة الأطفال دون 15 عاماً في الأعمال العدائية
- إلزام الدول باتخاذ كل التدابير لمنع إشراكهم في النزاعات
- اعتبار تجنيدهم جريمة حرب بموجب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
كما يرفع البروتوكول الاختياري لعام 2000 السقف إلى 18 عاماً، مؤكداً ضرورة حماية جميع القاصرين من الانخراط في النزاعات المسلحة، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.
لا يقتصر الخطر على البعد القانوني، بل يمتد إلى تداعيات إنسانية عميقة. فالأطفال المجندون غالباً ما يتعرضون لصدمات نفسية حادة، ويُجبرون على ممارسة العنف أو مشاهدته، ما يترك آثاراً طويلة الأمد على صحتهم النفسية وسلوكهم الاجتماعي.
وتشير الأمم المتحدة إلى أن هؤلاء الأطفال، حتى عندما يُقدَّمون كمقاتلين، يظلون في جوهرهم ضحايا، حُرموا من التعليم والحياة الطبيعية، ودُفعوا إلى أدوار تفوق قدرتهم، في بيئات تتسم بالعنف والخطر.
رغم تسويق بعض الجهات لفكرة "التطوع"، يطرح الواقع تساؤلات جدية حول مدى حرية الاختيار، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بأطفال يعيشون في بيئات هشّة أو تحت ضغط أيديولوجي واجتماعي.
وفي هذا الإطار، يبدو مفهوم "التطوع" أقرب إلى تجنيد قسري مقنّع، لا سيما حين يقترن بخطاب تعبوي يربط المشاركة في القتال بمفاهيم الشهادة والواجب الديني.
رغم وضوح هذه الانتهاكات، لا يزال التحرك الدولي دون المستوى المطلوب، حيث غالباً ما يُقارب الملف من زاوية سياسية لا حقوقية، ما يتيح استمرار هذه الممارسات.
وفي حال تأكدت الدعوات الأخيرة لتجنيد مراهقين بين 12 و13 عاماً، فإن ذلك يشكّل تصعيداً خطيراً يستوجب: فتح تحقيق دولي مستقل، مساءلة قانونية للمسؤولين، تحركاً عاجلاً من الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية، الأطفال ليسوا جنوداً.
في المحصلة، لا يمكن تبرير إشراك الأطفال في أي نزاع، تحت أي ذريعة كانت. فالقانون الدولي واضح، والضمير الإنساني أوضح: الأطفال ليسوا جنوداً.
وأي محاولة لزجّهم في ساحات القتال، سواء تحت شعار "التطوع" أو "الدفاع"، تمثل انتهاكاً صارخاً يضع مستقبل جيل كامل على المحك، ويعيد طرح سؤال جوهري:
هل تحوّلت الطفولة في بعض مناطق العالم إلى مورد بشري للحروب؟.