"ليبانون ديبايت" - القاضي في منصب الشرف الدكتور الياس ناصيف
بما أن مجلس الوزراء، وعملًا بأحكام المادة 65 من الدستور، هو السلطة التي تخضع لها القوات المسلحة، والتي تضع السياسة العامة للدولة في جميع المجالات، وتضع مشاريع القوانين والمراسيم التنظيمية، وتتخذ القرارات اللازمة لتطبيقها والسهر على تنفيذ القوانين والأنظمة، والإشراف على كل أجهزة الدولة من إدارات ومؤسسات مدنية وعسكرية وامنية بلا استثناء، ومن حقها بل من واجبها أن تتخذ كل القرارات التي من شأنها حماية الدولة وحماية المواطنين وحقوقهم وفرض النظام العام والامن والاستقرار في المجتمع.
وعلى هذا الأساس يمكن للحكومة أن تتخذ كل القرارات الضرورية والمفيدة والمناسبة لمواجهة أي عمل عسكري أو أمني ينطلق من الأراضي الدولة خارج مؤسساتها الشرعية، وتقرر حالات الحرب والسلم، وحصر السلاح بيد جهاتها العسكرية والأمنية وسواها من التدابير اللازمة لحفظ الامن والاستقرار في المجتمع، وتحقيق سيادة الدولة وتكليف الأجهزة الأمنية باتخاذ الإجراءات والاعمال اللازمة لتنفيذ قراراتها.
وعلى المواطنين بمختلف فئاتهم ولا سيما أولئك الذين يؤثّرون في الرأي العام، وفي مقدمتهم رجال الصحافة والاعلام بمختلف انواعه ان يساعدوا الحكومة على تنفيذ سياستها الهادفة الى تحقيق المصلحة العامة، بما يمكنهم أن ينيروا الرأي العام، بكل ما من شأنه أن يساعد على التوجه، والتوجه الحقيقي، بعيدًا عن الغايات والمصالح الخاصة. وأكثر من ذلك فرجال الصحافة والاعلام ملتزمون بكل قواهم ومشاعرهم وفكرهم على المضي في هذا الإطار تحت طائلة المسؤولية الأدبية والمواطنية والقانونية، تأمينًا للمصلحة العليا للبلاد.
يأتي قرار مجلس الوزراء رقم 1 الصادر بتاريخ ٢ آذار ٢٠٢٦ ليؤكّد عمليًا على هذه المبادئ الدستورية، إذ أعلن رفض أي أعمال عسكرية أو أمنية تنطلق من الأراضي اللبنانية خارج إطار مؤسساتها الشرعية، وأكّد أن قرار الحرب والسلم هو حصرًا بيد الدولة اللبنانية وحدها. كما ألزم حزب الله بتسليم سلاحه وحصر نشاطه في المجال السياسي ضمن الأطر الدستورية والقانونية، وكلف قيادة الجيش بتنفيذ خطة حصر السلاح شمال نهر الليطاني باستخدام جميع الوسائل اللازمة.
"تُعلن الدولة اللبنانية رفضها المُطلق... وتُؤكّد أنّ قرار الحرب والسلم هو حصرًا بيدها" (قرار مجلس الوزراء رقم ١ تاريخ ٢-٣-٢٠٢٦).
كذلك شدّد القرار على أهمّية الاتصالات الدبلوماسية مع المجتمع الدولي والدول الشقيقة والصديقة لوقف الاعتداءات الإسرائيلية وتطبيق القرارات الدولية ذات الصلة، وأكّد استعداد الدولة لاستئناف المفاوضات برعاية دولية.
إن هذا القرار الوزاري يشكّل ترجمة عملية لما نص عليه الدستور وما أكّدته هذه الاستشارة، ويعزّز وجوب تعاون المواطنين، ولا سيما الإعلاميين، مع الدولة في سبيل تحقيق المصلحة العليا وصون السلم الأهلي. فالمسؤولية الوطنية تقتضي أن يقف الجميع خلف مؤسسات الدولة الشرعية، وأن يعملوا على دعمها في مواجهة التحدّيات الداخلية والخارجية، بما يكرّس سيادة الدولة ويضمن استقرار المجتمع.
وفي هذا الإطار، يندرج موقف معالي وزير الإعلام المحامي د. بول مرقص في سياق التطبيق السليم لقرار مجلس الوزراء المشار إليه، إذ يكون قد قام حصراً بواجبه القانوني والإداري في تعميم وتنفيذ ما قررته السلطة التنفيذية مجتمعة. كما أن دعوته إلى التقيّد بالخطاب الإعلامي المسؤول والابتعاد عن الخطاب التحريضي الذي من شأنه تأجيج الانقسامات وشحن الشارع، إنما تشكّل ترجمة مباشرة لالتزامات الدولة في الحفاظ على النظام العام والسلم الأهلي، وتنسجم مع القواعد القانونية والمهنية التي ترعى العمل الإعلامي.
وعليه، فإن هذا الدور لا يُعدّ تقييدًا لحرية الإعلام، بل ممارسة مشروعة لسلطة الدولة في تنظيم هذا القطاع بما يضمن التوازن بين حرية التعبير.