المحلية

نوال نصر

نوال نصر

ليبانون ديبايت
الأحد 29 آذار 2026 - 08:44 ليبانون ديبايت
نوال نصر

نوال نصر

ليبانون ديبايت

شوارع الطوائف و"الحزب" المسلح بين الفتنة والتفجير... الحرب الأهلية الباردة

شوارع الطوائف و"الحزب" المسلح بين الفتنة والتفجير... الحرب الأهلية الباردة

لا، لسنا بخير. الحرب الأهلية تعود لترخي بظلالها من جديد على اللبنانيين. فلنقلها بصراحة: لا أحد يطيق أحد. الكلمة تنزل على بعضنا كما سقوط صخرة من علو. والأعصاب تفور كما غليان المياه في موقدٍ مشتعل. وكل التحليلات تشي أن الحرب الكبرى لم تبدأ في ديارنا بعد. واللبنانيون خائفون من بعضهم البعض حتى لو إستعاروا أبيات "العيش المشترك" المعسولة في تخفيف وطأة المرحلة. فهل نحن حقاً على أبواب حرب أهلية كما يزعم البعض وكما هو ظاهر؟ هل سيلجأ "الحزب" إلى الداخل اللبناني ليحمي سلاحه؟ وهل خشية "الأشرفية" المسيحية من إستحداث بقعة شيعية- من باب النزوح- في الكرنتينا يدخل في هذا الإطار؟ الإنفعال المتصاعد من كل الجهات يشي بأن الوضع خطير. والتجارب، في تاريخ لبنان الحديث، تنبئ بأن الآتي قد يكون عظيماً. فماذا في تفاصيل شوارع الطوائف اللبنانية في وطنٍ مهما "جملناه" ليس واحداً؟


"ليبانون ديبايت" - نوال نصر


"الفتنة على الأبواب". كلما اجتمع إثنان يكون هذا الكلام ثالثهما. لا لشيء إلا لأن فئة لا تزال تستقوي على كل ما عداها. "حزب الله" لم- ولن- يتعلم من أخطائه الكثيرة. وهو يقود بيئة- يصنفها باسمه- إلى الإختلاف والخلاف مع كل الآخرين. بيئة نزح أهلها من "عرينهم" إلى محيط طوائف أخرى، متحلقين في ما يعتقدوه "ميدان" مستحدث يجمعهم. وجولة في أماكن النزوح الجديدة يشي بأن "الجماعة" لا تشعر بأمانٍ إلا في تجمعاتها وأيُّ "تبعثر" شكلٌ من أشكال الضعف لا القوة. مشهدٌ تقليدي قبل واليوم وقد يكون دائماً. الإنتشار الطائفي إستمرّ دائماً بين الطوائف اللبنانية مشكلاً ما يُشبه "خط تماس" كان بين المناطق فأصبح بين الشوارع وحتى بين المباني في الشارع الواحد. هي مشاهد مستجدة تعزز حرباً نفسية طائفية خطيرة. فهل كل ما نحتاج إليه هو فتيل لتشتعل الحرب الأهلية؟


في علم الإجتماع "تغيير المجال الجغرافي لا يستتبع تبدلاً في الولاءات ولا في العلاقات التقليدية. فالشيعة في لبنان، الذين هرولوا نحو جغرافيا ثانية ذات ولاءات مختلفة، يستمرون تحت سطوة مَن يصنفون أنفسهم "الأقوياء" في الطائفة. ومن يظنون أنفسهم "أقوياء" شكلوا مفاتيح "مسلحة" تدير الجماعات النازحة، ما يحدّ من عملية إندماج النازحين اليوم في مجتمعاتهم الجديدة القسرية. وهو ما يُعزز التناقضات في المجتمع الذي أصبح مركباً".


نزحت "البيئة الشيعية" على غفلة، في ليلة رمضانية باردة، فلحقتها "المفاتيح المسلحة" ململمة الطائفة، قابضة من جديد على كل التفاصيل العملانية، "مؤطرة" البيئة في أماكن النزوح وكأن النازحين صك أخضر باسم "الحزب". البارحة، سرحت "الموتوسيكات" (الدراجات النارية) عليها شباب "أقوياء" راحوا يوجهون شتائم وإشارات نابية إلى العابرين إلى بيوتهم في الطريق الفاصلة بين الطيونة ووسط بيروت. الوجوه بدت عابسة. الألفاظ التي أطلقها الشبان أقلقت أهالي المناطق المجاورة منذرة بمناوشات قد تحصل. والمناوشات إذا حصلت تشدّ اللحمة العصبية وتقوي حال الإستنفار. وكلما اشتدت العصبية توثقت اللحمة الطائفية وطغت إشارات نشوب الفتنة. في كل حال، هناك من سيقول: النازحون متوترون وعلينا أن نتفهم هواجسهم ونستوعبها. لكن، من قال أن أهالي المناطق حيث النزوح يعيشون في نعيم؟ اللبنانيون- جميع اللبنانيين- يعانون اليوم من القلق الكبير، ومن العوز الكثير، وأيّ تصرف سلبي من جماعة قد تؤثر على المشهد كله. لهذا لا بُدّ من إنتشار القوى الأمنية في قلب بيروت، حيث تجمعات النزوح حماية للنازحين السلميين وغير النازحين.


هل علينا أن نتوقع حصول فتنة؟ حرب أهلية؟ تصادم؟ مواجهة؟ مصدر متابع يقول "الإصطدام اليوم قد يؤدي إلى مجزرة. أما تعبير الحرب الأهلية فهو فضفاض لأن طرفاً واحداً في البلد مسلح. "الحزب المحظور" وحده يملك السلاح".

إذاً، الحرب العسكرية بين المسيحيين والسنة والدروز من جهة وبين "شيعة الحزب" وسراياه مستبعدة لكن القلوب- إعترف الأطراف أم لا- ملآنة. الناس، من كل الأجيال، معبأون أكثر من أي يوم مضى. فيوم إندلعت الحرب الأهلية، في منتصف سبعينات القرن الماضي، كانت الشاشة الصغيرة تحت سيطرة الدولة. قناة 7 وقناة 11. ولم تكن تصل إلى العموم رسائل عنفية. اليوم، الفضاء الإعلامي مفتوح. والتيكتوكرز واليوتيوبرز والجالسون ليل نهار أمام المنصات الإلكترونية قادرين أن يتجاوزوا كل القيم بلا "ربطة عنق" والإعتداء على الكرامات وتأجيج الخلافات الطائفية بأساليب نزقة. وما يمارسونه يُعمم. ماذا قد نفهم من ذلك؟ في السياسة، في سياسات دول العالم الثالث تحديداً، التي يتداخل فيها المحلي بالإقليمي بالدولي، لا شيء ثابتاً. وما هو مستبعد اليوم قد يدنو أكثر غداً، خصوصاً إذا توافرت مواده الأولية.


نعود من حيث بدأنا: هل أصبحت مقومات الفتنة وموادها الأولية قائمة حاضرة؟

لبنان "تحت النار" لكن، الخشية الأكبر، لدى الجميع في أن يدير الطرف المسلح بندقيته في اتجاه الداخل. وله في ذلك تجارب. هو اليوم منهمك في إنهاك الخارج- إسرائيل- لمصلحة الخارج- إيران. وبطرف عينه ينظر إلى الداخل رافعاً أصبعه مهدداً. أسلوبه هذا لم ينفعه يوماً مع الطرف السيادي في البلد. فهل سينجح به اليوم؟

إشتدّ اليقين بدنو الفتنة- مكشرة عن أنيابها- إثر سقوط صواريخ- قيل اعتراضية- في نواحي عدة في كسروان. المسيحيون شعروا أنهم باتوا مستهدفين من إيران وذراعها في الداخل اللبناني. توعُد قيادات "حزبلاهية" عزز بدوره هكذا توجسات. الفتنة قد تكون أقرب مما يظن البعض. وأي انفجار ستكون شظاياه حادة قاتلة. كل هذا في ظل همس يصدر من قلب مؤيدي الحزب المحظور بأن الميدان سيحكم أيضا في الداخل اللبناني و "انطرونا". فهل هكذا يتحقق الإنتصار الإلهي؟ الرهان الوحيد اليوم على الدولة- حتى لو كانت مشظاة. الدولة الجريئة وحدها قادرة أن تحسم الجواب عن سؤال: حرب أو لا حرب؟ مع العلم أن من هو قادر على الحرب ويملك السلاح تصرف دائماً أنه فوق الدولة والقانون والجيش اللبناني والنظام. فهل من مصلحته اليوم الإذعان لها؟ لهذا نُكرر السؤال: هل نتجه- مهما كانت نتائج الحرب الإقليمية الأخيرة- إلى حرب داخلية مستعرة؟ سؤالٌ برسم ما تبقى من دولة.


ذات يوم، كتب العلامة السيد علي الأمين خاطرة جاء فيها: "تعامل الخارج (والداخل) مع المتطرفين كجهة وحيدة في التمثيل وأهملت المعتدلين فخسرت الإثنين وتسبب بتراكمات ستؤدي إلى الإنفجار". وبينما كان جيش بشار الأسد (المخلوع) يغادر لبنان عام 2006 قال الأخير: "تحتاج الحرب الأهلية في لبنان إلى أيام لتنشب لا إلى أسابيع أو أشهر". هناك من حذر بصدق وهناك من راهن بخبث. واليوم، لا يزال هناك خبثاء يراهنون على اللادولة ليبقوا أحياء غير مبالين بكل الدعوات لإنقاذ لبنان وإبعاده عن كل المحاور.


بصراحة، حتى "أينشتاين" نفسه غير قادر أن يستوعب هذا الكم من الأحداث التي يدرجها البعض في خانة "التنفيسة". التطاول أيضاً كثير. وليس خفياً على أحد أن الحرب العسكرية تبدأ بعد السماح لحربٍ باردة بتوطيد براثنها من خلال السماح لفئة بتجاوز المؤسسات وحكم القانون وسياق الدستور والمنطق. فتصبح هي الحاكمة بعنجهية بأمر البلاد والعباد. كل ذلك تحت عنوان "أنا أقاوم وأحمي وأقرر".


الوضع ليس بخير. والبلد معطل. والعقول مقفلة. والقرار ليس عند الدولة اللبنانية الميمونة. وماذا بعد؟ نحن- جميعاً- في حرب أهلية صامتة. وما تبدل بين أمس واليوم، أنها لم تعد بين مسلم ومسيحي.


سؤال بعد: هناك من سأل عن سبب إنتفاضة نواب وأهالي جوار "الكرنتينا" المسيحي على جعل البقعة حارة جديدة للنازحين. واستغربوا: ولو! فليتمهل هؤلاء وليراجعوا التاريخ الحديث. المنطقة شريان. وثمة مرفأ مجاور كاد يقضي على كل شيء بفعل نيترات خزّنته جهة مجهولة- في وقت يعرف القاصي والداني أن "الحزب" هو الآمر الناهي في مؤسسات الدولة. يُدخل ما يشاء ويُخرج ما يشاء. وكثير من التهم في الموضوع موجهة إليه. كذلك، الكل الكل لا بُدّ أن يكون قد مرّ في البقعة البحرية، في السان سيمون، في منطقة الجناح. فهل المطلوب تحويل الكرنتينا إلى سان سيمون جديدة؟ هناك مناطق تباد من جذورها في الجنوب. وإنشاؤها لن يكون بين ليلة وضحاها هذا إذا توافر التمويل لذلك. والنازحون- إذا إستثنينا السؤال عما إذا كانوا مدنيين- سيبقون في الكرنتينا إلى ما شاء الله كما حال من نزحوا إلى السان سيمون والمدينة الرياضية والمنطقة التي شًيدت عليها مستشفى رفيق الحريري و... في المدينة الرياضية أبوا أوائل التسعينات المغادرة إلا "مفتاح بمفتاح". وفي الجناح نالوا عشرات آلاف الدولارات ليخلوا وفي السان سيمون نقعت الدولة مشروع إليسار" وشربت مياهه لأن من نزحوا إلى البقعة أبوا المغادرة إلا بتعويض عادل، مع أخذها بالإعتبار أن البيت النازح الواحد أصبح سبعة وثمانية بيوت، والفروع سكنوا في البقعة ويستحقون، مثل الأصيلين، التعويض العادل.


نعود إلى السؤال، هل أدوات التفجير الداخلية موجودة؟

قبل عقود، قال جورج حاوي عن حربٍ دارت رحاها في بلادنا "عملنا على تحويل المعركة من لبنانية- فلسطينية إلى لبنانية- لبنانية لنمنع تعريب الأزمة أو تدويلها. ولنعفِ المقاومة الفلسطينية من كثير من الحرج". فهل سيأتي يوم قريب تُطلق فيه كلمة سرّ إلى من يملكون السلاح في لبنان لتحويل المعركة إلى لبنانية- لبنانية لتحويل النظر عن إقحام الداخل بالخارج؟ ننتظر ونرى.

تــابــــع كــل الأخــبـــــار.

إشترك بقناتنا على واتساب

WhatsApp

علـى مـدار الساعـة

arrowالـــمــــزيــــــــــد

الأكثر قراءة