في قراءة تحليلية تعكس تحوّلًا عميقًا في طبيعة المواجهة، يرى باحث إسرائيلي أن سياسة الاغتيالات لم تعد أداة تكتيكية محدودة، بل تحوّلت منذ 7 تشرين الأول إلى نهج استراتيجي قائم على "الاغتيال المنهجي" لقيادات الخصوم، بهدف إحداث تغيير طويل الأمد في بنية هذه التنظيمات والدول.
وبحسب تحليل للدكتور هاريل حوريف نُشر في موقع القناة 12 العبرية، فإن ما يُعرف بـ"التصفية المستهدفة" لم يعد يُقاس بنتيجته المباشرة، كمنع عملية أو تصفية عنصر، بل بقدرته على إحداث "قطع في الرأس" يطال طبقات القيادة، ومراكز المعرفة، وشبكات التنسيق داخل التنظيمات.
ويشير حوريف إلى أن معيار النجاح لم يعد انهيار التنظيم فورًا، بل مدى تأثره على المدى الطويل، من حيث فقدان شخصيات يصعب تعويضها، أو تراجع القدرة على اتخاذ القرار، أو الدخول في حالة ارتباك داخلي واستنزاف للموارد.
وفي هذا السياق، يلفت إلى أن التنظيمات الهرمية، مثل حركات المقاومة، تكون أكثر حساسية لمثل هذه الضربات، نظرًا لاعتمادها على عدد محدود من القيادات التي تمتلك الخبرة والقدرة على الربط بين المستويات السياسية والعسكرية.
ويضرب مثالًا بقيادات بارزة في حركة "حماس"، حيث أدى اغتيال شخصيات محورية إلى إضعاف جودة القيادة، دون أن يؤدي إلى انهيار التنظيم بالكامل، ما يعكس طبيعة هذا النهج القائم على "التآكل التدريجي" بدل الحسم السريع.
أما في حالة "حزب الله"، فيعتبر التحليل أن اغتيال قيادات بارزة، وعلى رأسها الأمين العام السابق حسن نصرالله، شكّل ضربة استراتيجية عميقة، نظرًا لدوره المركزي في الربط بين مختلف مفاصل التنظيم، من القيادة السياسية إلى العسكرية والإعلامية. ويشير إلى أن استبداله بشخصيات أقل تأثيرًا يعكس حجم الفراغ الذي خلّفه.
ومع ذلك، يؤكد التحليل أن مثل هذه الضربات لا تؤدي بالضرورة إلى انهيار كامل، إذ تبقى التنظيمات قابلة لإعادة التشكّل، خاصة عندما تستند إلى بيئة اجتماعية حاضنة، كما هو الحال في الساحة اللبنانية.
وفي ما يتعلق بالدول، مثل إيران، يرى حوريف أن التأثير يكون أكثر تعقيدًا، نظرًا لامتلاكها مؤسسات وهيكليات أوسع وقدرة أعلى على امتصاص الضربات، إلا أن استهداف شخصيات محورية مثل قاسم سليماني يمكن أن يخلّف أثرًا طويل الأمد على مستوى التنسيق والقيادة.
كما يشير إلى أن تكيف الخصوم مع هذه السياسة لا يعني فشلها، بل على العكس، قد يكون دليلًا على فعاليتها، إذ يضطرون إلى إعادة هيكلة أنفسهم بطرق أقل كفاءة وأكثر بطئًا، ما يحدّ من قدرتهم الهجومية.
ويخلص التحليل إلى أن "الاغتيال الاستراتيجي" ليس حلًا سحريًا، لكنه أداة مركزية في تحقيق تفوق ميداني، من خلال إضعاف الثقة بالنفس لدى الخصم، وإبطاء قدرته على التعافي، وإحداث خلل مستمر في بنيته القيادية.
في المحصلة، يعكس هذا التحوّل انتقال المواجهة من استهداف الأفراد إلى استهداف البنى، في معركة طويلة تُدار بعقل استراتيجي يتجاوز النتائج الفورية نحو إعادة تشكيل ميزان القوى على المدى البعيد.