في وقت تتصاعد فيه وتيرة المواجهة الإقليمية، تكشف تقديرات إسرائيلية عن قلق متزايد من مسار المعركة مع إيران، بالتوازي مع تعمّق العمليات العسكرية داخل جنوب لبنان، وسط غياب رؤية سياسية واضحة لليوم التالي.
وبحسب تقرير للصحافي آفي أشكنازي في صحيفة "معاريف" العبرية، فإن إسرائيل تواجه تطورًا مقلقًا يتمثل في سعي إيران إلى فرض "معادلة رد" ثابتة في الميدان، رغم حجم الضربات العسكرية التي تعرضت لها.
وفي هذا السياق، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال زيارته لقيادة المنطقة الشمالية: "إيران ليست كما كانت، حزب الله ليس كما كان، وحماس ليس كما كان. هذه لم تعد جيوشًا تهدد وجودنا، بل أعداء مهزومون يقاتلون من أجل بقائهم".
إلا أن الوقائع الميدانية، وفق التقرير، تعكس صورة أكثر تعقيدًا، إذ تواصل طهران تكريس نمط رد متوازن، حيث ركّزت جهودها الصاروخية نحو جنوب إسرائيل، مستهدفة مناطق مثل ديمونا ورمات حوفاف وبئر السبع، ردًا على ضربات إسرائيلية طالت منشآت حساسة داخل إيران.
ويقوم هذا النمط، بحسب التقرير، على معادلة "ضربة مقابل ضربة": استهداف إسرائيل لمنشآت الغاز يقابله قصف لمصافي حيفا، وضرب موقع نووي في أراك يقابله إطلاق صواريخ باتجاه ديمونا، فيما قوبلت ضربات لمصانع كيميائية بإطلاق صواريخ نحو رمات حوفاف.
ويحذّر التقرير من خطورة هذه المعادلة، معتبرًا أن ترسيخها يعني أن إسرائيل لم تحقق حسمًا عسكريًا، بل قد تجد نفسها في موقع الخاسر استراتيجيًا إذا نجحت إيران في فرض قواعد اشتباك جديدة.
ويزداد هذا القلق في ضوء استمرار هذه المعادلة بعد نحو شهر من القتال، رغم تنفيذ آلاف الطلعات الجوية وإسقاط أكثر من 14000 ذخيرة على أهداف داخل إيران، دون أن يؤدي ذلك إلى كسر نمط الرد الإيراني.
في الساحة اللبنانية، أعلن نتنياهو أنه وجّه بتوسيع العمليات، مؤكدًا أن حزب الله لا يزال يمتلك قدرات على إطلاق الصواريخ، وأن الهدف هو "إزالة هذا التهديد بشكل نهائي".
كما أشار إلى أن إسرائيل أنشأت 3 "مناطق أمنية" في سوريا وقطاع غزة ولبنان، مضيفًا أنه أوعز بتوسيع الحزام الأمني داخل الأراضي اللبنانية لمنع أي تهديد مستقبلي.
ميدانيًا، تواصل القوات الإسرائيلية التقدم شمالًا داخل جنوب لبنان، حيث وصلت وحدات من الفرقة 146 إلى مناطق تقع شمال رأس الناقورة، وسيطرت على مواقع إشرافية تطل على مساحات واسعة، مع استمرار القصف باتجاه منطقة صور بهدف إبعاد تهديد الصواريخ والطائرات المسيّرة.
غير أن هذا التقدم يفتح الباب أمام تساؤلات حساسة بالنسبة للبنان، إذ يثير مخاوف من العودة إلى تجربة "الشريط الحدودي" خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، حين غرقت القوات الإسرائيلية في مستنقع عسكري طويل داخل الأراضي اللبنانية.
وفي هذا الإطار، يؤكد ضابط إسرائيلي رفيع أن الجيش لا يعتزم العودة إلى نموذج المواقع الثابتة، بل يعمل على إنشاء "منطقة أمنية متقدمة" تعتمد على عمليات ديناميكية، بهدف منع حزب الله من التمركز أو تنفيذ هجمات عبر الحدود.
وقال: "نحن نعمل بأسلوب مختلف، لن نسمح لحزب الله بالتموضع على خط التماس، ونسعى إلى منع أي عمليات تسلل أو إطلاق نار باتجاه إسرائيل".
في المقابل، يواصل حزب الله تنفيذ هجمات صاروخية مركّزة ضد القوات الإسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية، في محاولة لزيادة الضغط وإجبار إسرائيل على وقف عملياتها.
ورغم هذا التصعيد، يلفت التقرير إلى غياب خطة سياسية واضحة لدى الحكومة الإسرائيلية، رغم تصريحات نتنياهو المتكررة حول "تغيير وجه الشرق الأوسط"، ما يطرح تساؤلات حول جدوى الإنجازات العسكرية في ظل غياب مسار سياسي موازٍ.
وفي المحصلة، تبدو إسرائيل أمام مفترق دقيق: تصعيد عسكري متواصل على جبهات متعددة، في مقابل معادلة رد إيرانية تتكرّس، وميدان لبناني مفتوح على احتمالات استنزاف طويل قد يعيد خلط أوراق المواجهة في المنطقة.