Beirut
14°
|
Homepage
هل ترد بيروت بوتين خائباً؟
عبدالله قمح | الثلاثاء 18 حزيران 2019

ليبانون ديبايت - عبدالله قمح

في غضونِ اليومين المُقبلين، سَتحلُ روسيا ضيفاً سياسيّاً على لبنان في لحظةٍ اقليميّةٍ متفجّرة، وسيُلقى على الزيارةِ حمل استشراف المرحلة المقبلة في ظلِ وقوع المنطقة فوق برميلٍ من البارود يرزح على صفيحٍ بركانيٍ هائج، وبالتأكيد سيتبارى اللّبنانيون حولَ من له القدرة على الاستنطاق وانتزاع معلومات تُفيد في قراءة الوضع الرّاهن.

دون أدنى شك، ستكونُ موسكو عنواناً لبنانيّاً بارزاً للحدث، في ظلِ قدوم الوفد الرّوسي المكون من المبعوث الرّئاسي الخاص إلى سوريا، الكسندر لافرنتييف، ونائب وزير الخارجيّة سيرغي فرشينين، في توقيتٍ خاص. هي ليست المرّة الأولى التي يَحضرُ فيها هذه الوفد، لكن بلا أدنى شك، ستكون الأبرز.


في المرّة الأولى حضرَ الوفد حاملاً مقترحاً بمبادرة روسيّة لإعادة النّازحين إلى بلادهم، وقد كانت تلك زيارة «تسويقيّة بإمتياز»، لكن ما أتى بعدها خيّبَ الآمال المعقودة، ليس بسبب حدوث تخلٍ روسي عن الوعود المقطوعة، بل بسبب تعنّت بعض الدُّول الغربيّة التي رفضت المساهمة في الإقتراح الرّوسي، ما جعله موضوعاً على الرّف بإنتظار «إختراق ما في مكان ما».

وأصلاً، كان لُبنان وما زال، يُنسّق و «يُدوّر الزوايا» المرتبطة بعملية العودة الطوعيّة للنازحين مع الجانبين السّوري والرّوسي من خلال الأمن العام، من ضمن آلية «مواربة» تزاوج بين التنسيق المباشر وغير المباشر، كإنعكاس واضح للضياع الرّسمي اللُّبناني، وإن كانت الحلول تأتي بـ«القطارة» وضمن الحد الأدنى المسموح به، لكن الشكوى تبقى دائماً من الخلل السّياسي القائم والبطء، وهما عاملان لا يساعدان في عودةِ النازحين.

لكن لا تريد روسيا من لبنان، كما هو واضح، مصالح سياسيّة خاص بها بقدر ما تريد لهذا البلد الصغير أن يحتل موقعه، وأن يصبح ذو شأن سياسي بعد الشأن الهام الذين جناه من منظور القوة العسكرية التي يتملكها من بوابةِ المقاومة. وقد كان لروسيا مساهمات في سبيلِ ترشيد قوّة لبنان سياسيّاً ودبولماسيّاً، من خلال الدّفعة التي أُعطيت له خلال زيارة رئيس الجمهوريّة ميشال عون إلى موسكو، الشّتاء الفائت، بحيثُ اتخذَ قراراً على صعيد رئاسي، يمنحُ لبنان تذكرة عبور للمشاركة في جولةِ مفاوضات «أستانا ١٣» بصفة مراقب. اليوم يحضر ُالوفد من أجلِ إبلاغ الدّعوة رسميّاً.

مصادر دبلوماسيّة روسيّة لا تنفي لـ«ليبانون ديبايت» حمل الوفد للدعوة، لكنها تفضّلُ «عدم إستباقِ الأمور»، تاركة شكل وهيكليّة الدّعوة من ضمن صلاحيّة الوفد الرئاسي الذي يزورُ لُبنان بتكليف رسمي من الرئيس فلاديمير بوتين.

لكنها وبعد إصرار تؤكّد انّ مشاركة لُبنان في المنصّة المخصّصة للدول المجاورة لسوريا، باتت محسومة وسارية المفعول، لكن الصّفة «موضع نقاش»، هل يحضرُ بصفة عضو مراقب مكتفيّاً بتدوين الملاحظات من دونِ الحق في إبداءِ الرّأي، أم يُشارك بصفة عضو فاعل مطلق الصّلاحيات ويناقشُ في مستقبلِ النزوح؟

فى مقامٍ آخر لا تبدو «اللّبكة» قائمة عند الطرف الروسي «الذي يعرف ماذا يريد»، بل يجب تشديد الإهتمام صوب الموقف اللُّبناني وكيف سيتعاملُ مع المبادرة الرّوسيّة الجديدة!

ثمّة تخوّف يخشاهُ جانب سياسي محلّي وازن، من أن تتحوّل الدّعوة الروسيّة إلى ملف خلافي لبناني يُطيح بالرهانات الملقاة على عاتقِ المشاركة اللبنانيّة، سيما وانّ تجارب بيروت مع موسكو في عدّة امور، ومنها معاهدة التعاون العسكري بين روسيا ولبنان القابعة في إدراج مجلس الوزراء لغاية تاريخه، لا تُشجّع ابداً.

وليس سرّاً انّ دولاً تمتلك تاثيراً سياسيّاً في لبنان، أو بشكل أدق على أطراف سياسيّة مُحدّدة، لا تحبذ وجود أو مشاركة هذه البلد في لقاءٍ دولي ترعاه روسيا ويعاكس مؤتمرات أخرى تحمل نفس الخلايا الوظيفيّة تقريباً كـ«جنيف»، وعلى هذا القاعدة ربّما تدخل «دولٌ ما» عاملاً سلبيّاً يؤدّي إلى تنازع داخلي حول المشاركة، ما يضع المسألة برمّتها في مهب الريح.

من وجهةِ نظر أخرى، سيطرحُ ملف المشاركة على طاولة مجلس الوزراء، وبما انّ الوفد سيحضرُ يوم الأربعاء، فإن الظن الأغلب يذهبُ صوب طرح ملف المشاركة خلال جلسة يوم الخميس المتوقّعة في قصر بعبدا، أو بأسوأ الأحوال خلال جلسة تُحدّد يوم الثلاثاء المقبل.

وعند التعمّق في «بازل» وخريطة الانتشار السّياسي الدّاخلي وفرزه بين مؤيّد ومعارض، يبدو واضحاً انّ فريقاً وازناً في البلد عبّرَ سابقاً عن تأييده لمشاركة لبنان في «منصّة أستانا»، يقوده بشكلٍ أساسي فريق رئيس الجمهوريّة ميشال عون ممثلاً بوزير الخارجيّة ورئيس التيّار الوطني الحرّ جبران باسيل، الذي لن يترك الجهد الذي بُذِلَ في موسكو يذهب سُداً.

إلى جانبهما «الثّنائي الشيعي» وطبعاً وزراء تكتّل «لبنان القوي» وحلفائهما، ما يعني انّ الغالبيّة العدديّة مؤمّنة لتؤيّد تمرير المشاركة, يبقى الغموض يكتنف الفريق الآخر المتمثّل فى «تيّار المستقبل» و حزب القوّات اللّبنانية والحزب التقدمي الإشتراكي، الذين امتازوا سابقاً بخيارات متباينة تُعاكس الطروحات الروسيّة، وإن كان لدى «المستقبل» و «الإشتراكي» تحديداً علاقات تصنّفُ ضمن خانة «الجيدة» مع موسكو.

لكن وفي التّركيبة اللّبنانية دائماً ما تكمنُ الشياطين في التفاصيل، لذا لا يصلح إعتبار الأمر متنهياً ما دام لم يؤمّن التوافق السّياسي الذي يفوق بقدرته القدرة العدديّة، وهو أمرٌ تعلمه موسكو جيداً.
حمل تطبيق الهاتف المحمول النشرة الإلكترونيّة تواصلوا معنا عبر