Beirut
27°
|
Homepage
بوادر ازمة بين لبنان وروسيا
عبدالله قمح | الاربعاء 26 حزيران 2019

ليبانون ديبايت - عبدالله قمح

كان مُقدراً أن يتوجّه وزير الدفاع الوطني الياس بو صعب مساء الإثنين إلى موسكو على رأسِ وفدٍ «عسكري وإعلامي»، للمشاركة بفعاليات معرض الجيش الروسي ٢٠١٩، وهي احتفاليّة تُعلّق عليها روسيا آمالاً كبيرة، لكن حدثَ ما لم يكن في الحسبان. هبطَ اللّيل وحلّ الفجر، ولم يكن الوزير قد حزم أمتعتهُ بعد، وبشكلٍ مفاجئ أبلغَ المقرّبون منه، أعضاء الوفد بخبر إلغاء الزيارة!

حتى يوم الإثنين المنصرم، كان الوزير بو صعب يُتابع نشاطه كالمعتاد. شارك في اجتماع لجنة المال والموازنة على رأسِ وفد رفيع من قيادة الجيش، ثم حلّ ضيفاً على رئيس الحزب الديمقراطي النّائب طلال أرسلان.


في المعلوماتِ الخاصّة بـ«ليبانون ديبايت»، انّ وزارة الدفاع حدّدت مشاركتها في المعرض عبر وفد يترأسه الوزير بوصعب ويضم ٩ أشخاص يتوزّعون بين عسكريين وصحافيين، وقد وضعت الوزارة برنامج عمل الوزير ونسّقته مع السّفارة الرّوسية في بيروت التي تولَت مهمّة تأمين المواعيد لـ بو صعب في موسكو.

وحتّى مساء السبت، كان قرار المشاركة ما زال قائماً، بشهادة نشاط وحركة عناصر الوفد الذين انكبوا على إجراءِ الإعدادات اللّازمة الخاصة بهم، وقد أخذ الصحافيّون المعتمدين للزيارة، يوم عطلة سبق موعد السّفر، لكن الأمور تبدّلت وبشكلٍ طارئ ومفاجئ مساء الأحد، لتتحوّل المشاركة إلى إلغاء!

وما يدلُ على تأكيد توفّر النيّة للمشاركة، أن وزارة الدفاع سلّمت وعلى مراحل جوازات سفر الأعضاء المشاركين في الوفد إلى السّفارة الرّوسية في بيروت لغرض «وسم التأشيرات».

مصادر الدبلوماسيّة الرّوسية في بيروت، تؤكّد أن الاعداد للمشاركة اللبنانيّة كان يجري بشكلٍ طبيعي، وتستدل إلى ذلك من خلال الإشارة إلى درجة الاهتمام التي أحاطت الزيارة بها، حيث ولمدّة أسابيع، عَمدت السفارة إلى تنسيقِ ظروف الزيارة بكل تفاصيلها، ولو أنّ ثمّة «فيتو» موضوع عليها، لما كانت السّفارة قد أبدت كل هذا الاهتمام.

وكانت وزارة الدفاع قد تلقّت قبل فترة وجيزة دعوةً رسميّة للمشاركة ضمن فعاليات المعرض السنوي للجيش الروسي بنسخته لعام ٢٠١٩، وقد وافقَ لُبنان على مضمون الدعوة مؤكّداً حضوره على رأس وفد.

ويؤكّد أكثر من طرف لـ«ليبانون ديبايت»، أن الدوائرِ المقرّبة من الوزير، ابدت اهتماماً ملحوظاً منذ أشهر في الزيارة، بدليل كم التسريبات التي وزّعت على وسائل الإعلام، والتي أظهرت درجة عالية من الاهتمام ودرجة الآمال المعلّقة لدى الوزير على المشاركة، وقد حفلت الصحف بالتأكيدات المستمرّة على الحضور.

ما يطرحُ علامات استفهام، هو تزامن «الغاء الزيارة»، ولو أنّ المصادر تُفضّل عدم الركون إليها، مع ارتفاع النقمة روسياً على الحُكومة اللّبنانية، التي ما زالت تستمر في سياسة نكث العهود المقطوعة حيال توقيع معاهدة التعاون العسكري التقني بين لُبنان وروسيا، بفضل السّياسية المعتمدة من قبل رئيس الحُكومة سعد الحريري، التي تتجاهل كل الطرق غير الأميركيّة لتوفير العتاد لصالح الجيش اللُّبناني.

ولعب مستشار الرئيس سعد الحريري للشؤون الرّوسية، جورج شعبان، دوراً سلبيّاً ساهمَ بزيادة التوتّر عبر تخطّي الحكومة اللبنانيّة من خلال إبلاغ نائب وزير الدفاع الروسي، انّ معاهدة التعاون العسكري لن توقّع قبل إقرار الموازنة، الأمر الذي ترك غضباً روسيّاً ولبنانيّاً ترجمَ بإبلاغ المُلحق العسكري اللبناني في موسكو، وزارة الدفاع الرّوسية انّ الجهة المخوّلة التحدّث في هذا الموضوع هي وزارة الدفاع اللبنانيّة حصراً.

اما الرواية الأخرى التي توصّل اليها متابعون والتي لها انّ تكشف أسرار عدم سفر بو صعب، تكمنُ في عدم نيله تفويضاً حكوميّاً رسميّاً لتوقيع المعاهدة في موسكو، كما سبقَ ووعد في أكثر من مرّة. والخلاصة أنّ وزير الدفاع يُفضّل المقاطعة على الوقوع في الإحراج، خاصة وإنّ هذا الإحراج يصبحُ ثقيلاً حين تدخل عليه وعوداً مماثلة قطعها رئيس الجمهوريّة ميشال عون خلال زيارته العاصمة الرّوسية شتاء العام الماضي!

وثمّة اعتقاد أرخى بظلاله في السّاعاتِ الماضية، اندرجَ تحت خانة «النوايا غير السليمة»، يدّعي أنّ تأجيل انعقاد جلسة مجلس الوزراء الخميس الفائت بداعي وجود الرّئيس الحريري خارج البلاد، «متعمّد ومقصود»، والهدف إسقاط احتمال حصول بو صعب على تفويض توقيع «المعاهدة» مع نظيره الرّوسي على هامش المشاركة في المعرض.

ما يمكنُ استخلاصه، أن غياب الوفد الرسمي اللُّبناني، وبصرف النظر عن اسبابه، مثل طعنة بظهر روسيا، ولعلَّا أكثر ما يمكن الالتفات إليه، هو كميّة الغضب والانزعاج التي تمخّضت عن هذا التصرّف لدى موسكو وسفارتها في بيروت، والتي بدأت تحسب حساب شكل ومستوى العلاقة المستقبليّة مع بيروت، هذا فضلاً عن الامتعاض الذي تكوّن لدى مستويات سياسيّة وعسكريّة وأمنيّة محليّة.

أمرٌ آخر، انّ استمرار الحُكومة اللّبنانية في اعتماد سياسة التعامل مع بلدان مثل روسيا بهذه الخفّة، لن يحفظ مصالح لبنان ولن يأتي بالسلاح النوعي إلى جيشه، بقدر ما سيزيد من خصوم هذا البلد ويخفّض من درجته الائتمانيّة ومصداقيته أمام الدُّول!
حمل تطبيق الهاتف المحمول النشرة الإلكترونيّة تواصلوا معنا عبر