Beirut
22°
|
Homepage
عقلٌ "باردٌ" في اليرزة: لن نقع في الفخ!
ملاك عقيل | الاربعاء 06 تشرين الثاني 2019

"ليبانون ديبايت"- ملاك عقيل

لا تكليف ولا تشكيل تحت ضغطِ الطرقاتِ المُقفلةِ. هذا ما أفتى به رئيس الجمهورية العماد ميشال عون مدعومًا بشكلٍ أساسٍ من قبل حزب الله. بيد أنّ كثيرين يرَون، أنّ الشارعَ المحقون، وبجزءٍ منه الذي يُدار مباشرةً من بعضِ المقرّات السياسيّة كمعراب أو كليمنصو، سينفلِش مجددًا تحت ضغطِ عامِلَيْن أساسِيَيْن: المقارنة التي حضرت بين التساهل الامني، لا بل التفرّج الامني على "غزوة الرينغ"، وبين القرار السياسي الذي ضغط باتجاه فتح الطرقات بالقوة "الناعمة" في نقطتَيْن أساسيَّتَيْن في المقلبِ المسيحي: جل الديب والزوق امتدادًا الى الناعمة وصيدا وباقي المناطق شمالًا وبقاعًا.

أما العامل الثاني، فيتمثَّل بـ"العقلية" التي تُدار بها مفاوضات تكليف رئيس الحكومة والتشكيل التي توحي بما يشبه التطنيش عن غضبِ الشارعِ واحتمالات تفلّته من كلّ الضوابطِ بما في ذلك تعقيدات قد تقود الى وقوعِ المحظور.


والدليل، أنّ مسارَ التفاوضِ حول إسمِ رئيس الحكومة والوزراء الجُدُد يُظهِر انفصالًا فاضحًا عن ما يجري على الارض، الى درجةِ تعليقِ أحدِ السياسيين المعروف بتمرّده الدائم قائلاً "حتى الاعلان عن عشاءِ بيت الوسط بين سعد الحريري وجبران باسيل فيما الارض تغلي شكَّل استفزازًا للشارع"!

يصف مصدرٌ حزبيٌّ بارزٌ المرحلة الحالية منذ 17 تشرين الاول، بـ "النفقِ المظلمِ الذي لا أفق له حتى الان".

المصدر نفسه يشير، الى أنّ رغبةَ الحريري الشخصيّة بالعملِ مع فريقٍ "تقنيٍّ من الاختصاصيين لا يوجِّع الرأس" يتلاقى مع ضغوطٍ أميركيّةٍ - سعوديّةٍ أو ما يشبه الاملاءات بالسير بحكومةٍ من دون حزب الله، وتطغى عليها وجوه التكنوقراط خارجة تمامًا من عباءةِ التأييد لمحور 8 آذار. وهو مسارٌ كان ردَّ عليه الأمين العام السيّد حسن نصرالله في خطابَيْه الأخيرَيْن بتمرير كلمتَيْ السرّ: حكومة سيادية لا تدير أذنها للخارج... وموثوقة!

ويلفت المصدر في المقابل، الى أنّ تمسّكَ عون بتعيين باسيل في الحكومة الجديدة بوصفه "حصان" العهد لاقرار الاصلاحات لا يتقدَّم عليه أي خيار آخر إلّا في حالِ قَبِل الحريري بطرح اسم يزكّيه لرئاسة الحكومة وعندها يتمّ الركون الى استشاراتٍ تُنتِج فريقًا مُطَّعمًا بالسياسيين (وجوه جديدة أو غير مستهلكة ومعروفة بنزاهتها) والتكنوقراط من ذوي الاختصاص من ضمنهم فريق الحراك، وهو جوهرُ الاقتراحِ الذي تقدَّم به باسيل في لقاءِ بيت الوسط ليل الاثنين. بيد أنّ العارفين يجزمون، بأنّ هذا الاقتراح يُواجَه بعقباتٍ حقيقيّةٍ ليس أقلّها اعتراف أقطابٍ "بأن لا أحد منا جاهزٌ لالغاءِ نفسه"!

والحكومة الـ" تكنو - سياسية" في هذه الحال، وفق العارفين، ستضمّ وجوهًا معروفة بولائها السياسي في ظل محاولة التيار الوطني الحر، وفق نقاشاتٍ داخليّةٍ، إرساء معادلةٍ طالب بها في الحكومة الماضية وهي تطبيق المداورة في الحقائب السيادية على أن تذهب "الداخلية" الى "التيار البرتقالي". وهو احتمالٌ يفتح النقاش حول التوّجس الذي يبديه أكثر من قطبٍ سياسيٍّ بشأن التعامل مع الحكومة المقبلة على أنّها قد تكون حكومة الانتخابات وبقاء قوى السلطة خارجها سيكون نوعًا من "المزاحِ" السياسيِّ!

أمنيًّا وعسكريًّا التخبّط وغموض الرؤية ليس أقلَّ حدّةٍ. فالأزمة التي شكَّلت صفعةً قويةً على وجهِ السلطة لم تكن، بطبيعة الحال "نزهة" للجيش. السياسيّون الذين وجدوا أنفسهم فجأة أمام شارعٍ قد "يبتلعهم" فرض على الجيش والقوى الامنية، للمرّة الاولى منذ التسعينيّات. تدابيرٌ غير مسبوقة يمكن القول بعد ثلاثة أسابيع من الحَراكِ أنّها شكَّلت استنزافًا حقيقيًّا لها مع محاذرة الوقوع في "الفخِ".

الجيش المحجوز بدرجةِ استنفارٍ وصلت الى 90% (10 أيّام خدمة مقابل يوم راحة) تعاطى بعقلٍ باردٍ و"حكيمٍ" مع احتجاجاتٍ تحتاج الى "جيوشٍ" لضبطها مع انفلاشها دفعة واحدة في معظم المناطق اللبنانية مع كمٍّ هائلٍ من التوازنات الطائفية والمناطقية التي لا تغيب عن طاولةِ القرار في اليرزة. تَدَخل حيث يمكن الحسم، (مع العلم، أنّ بعض الطرقات كان يُعاد إقفالها مع انسحابِ الجيش منها) وانتظر التوقيت الملائم في البقعِ "الصعبة"، كما في نقطتَيْ جل الديب والذوق صباح الثلاثاء، والتي شهِدَت محاولات سابقة لـ "تحريرها" لكن أعداد المتظاهرين الكبير كان يحول دون ذلك.

"الغطاء الشعبي" في هذه الحالة كان الأهمّ، حيث تضاعفت نقمة اللبنانيين بأكثريتهم السّاحقة من العرقلة غير المُبرَّرة لحركة المواطنين، فيما السّاحات الكبرى كما في بيروت وطرابلس جاهزة دومًا لاستقبال الثوار، ومع توسّع أجندة "الثوار" باتجاه تنفيذِ حركات احتجاجيّة أمام مؤسساتٍ ووزاراتٍ وإداراتٍ عامّة وقصور العدل أو مقار لها رمزيتها في ملف الفساد.

والجيش المنهك الذي اضطر مثلاً الى إنزال كتيبةٍ الى جل الديب وأخرى الى الذوق صباح الثلاثاء دعَّمت لاحقًا بعناصر من المغاوير، واجه اتهامات صريحة بالتواطؤ مع المتظاهرين في إقفال بعض الطرقات وهو الأمر الذي ينفيه الجيش تمامًا الذي ومنذ اليوم الاول للثورة تحرّك بموجب معطيَيْن أساسيَّيْن: منع وقوعِ المحظور بحصول اصطدامٍ حادٍّ مع المتظاهرين، وتأمين حق التظاهر وحمايته حتى عند إقفالِ الطرقات.

يقول مطلعون، أنّ "مشهدَ فتحِ الطرقات مؤخرًا شمالًا وبقاعًا مرورًا بجبل لبنان وطريق بيروت الجنوب لم يأتِ بناءً على قرارٍ سياسيٍّ بذلك بل وفق مقتضيات الارض في مقابل التراجع والانسحاب في بعض الحالات، والتي كان يمكن أن تكون نتائجها السلبية أكبر ممّا يتصوَّره البعض في حال الاصرار على تحدّي المتظاهرين".

ويرفص الجيش، الذي غابَ وزير الدفاع الياس بو صعب طوال فترة الاحتجاجات عن "منصة" رفده بالدعم السياسي كما فعل حين تنقَّل بين البلدات مفتتحًا ساحات للجيش أو خلال زياراته الى المناطق الحدودية، كل الاتهامات التي سيقت ضده بالتواطؤ مع الشارعِ.

وقد راهن ولا يزال على الحلول أولاً في السياسة لأزمةٍ يتحمَّل تبعاتها وليس مسؤولاً عنها، واصفًا في مجالس قياداته هذه الاتهامات بـ "الافتراءات وتشويه صورة الجهود التي تُبذَل لضبطِ الشارعِ قدر الامكان من دون التحوّل الى أداةِ قمعٍ له، وهو الأمرُ الذي نظّرت له بعض القوى السياسية خدمة لاهدافها التفاوضية وتصفية الحسابات".

ويعترف ضباطٌ كبارٌ، بأنّ "حالات من الضياعِ والتخبّطِ حصلت أحيانًا، وهذا أمرٌ متوقعٌ في حالاتٍ استثنائية من هذا النوع، حيث يجب على الجيش أن يكون مستنفرًا وجاهزًا للتحرك والتصدي في عدّة بقعٍ في الوقت نفسه. فنحن لسنا أمام مهمّة تأمين الأمن في انتخاباتٍ نيابيّةٍ، وردع المتظاهرين بالأساس هو "شغلُ" القوى الامنية فيما الجيش هو قوةٌ مؤازرةٌ فقط".
حمل تطبيق الهاتف المحمول النشرة الإلكترونيّة تواصلوا معنا عبر