بدا المشهد السياسي والإعلامي في لبنان امس كأنه على مشارف حقبة «انقلابية» فائقة التوهّج في ظل التحرك الذي أطلقه زعيم «تيار المستقبل» الرئيس سعد الحريري ليل الاثنين بزيارته المفاجئة لزعيم «تيار المردة» النائب سليمان فرنجية في منزل الأخير في بنشعي قرب بلدة زغرتا الشمالية. وأَحدث الحريري هزات ارتدادية واسعة في مجمل الواقع السياسي بعدما ثبت عقب زيارته لبنشعي انه بدأ التمهيد لوضع كل الخيارات المتّصلة بالاستحقاق الرئاسي على طاولة البحث والتفاوض مجدداً ولا سيما منها خيار انتخاب زعيم «التيار الوطني الحر» العماد ميشال عون.
ومع أنّ أكثر من مصدرٍ شارك في لقاء بنشعي أكّد غداة اللقاء بين الحريري وفرنجية وفريقيْ عملهما ان الأوّل لم يطلق اي إشارة الى تخلّيه عن ترشيح الثاني، فإن هذه المصادر بدت مجمعة على ان هناك اتجاهاً واضحاً لدى زعيم «المستقبل» لطرح خيار عون من ضمن سقفٍ مفتوحٍ أمام الخيارات التي شرع الحريري في جولته وحراكه الجديديْن في مناقشتها مع الجميع بعدما ثبت ان ترشيحه فرنجية لما يناهز عام لم يفضِ الى أي خرق في الجدار الرئاسي، بل بدأ يحشر زعيم «المستقبل» في زاوية تحميله مسؤولية تعطيل الاستحقاق بعدما وُضع بين فكّيْ كمّاشة مواجهة المسار الاعتراضي الذي لوّح عون باعتماده في الشارع وتالياً الظهور بمظهر المصطدم مع المسيحيين، و«السلّة» التي أعلن رئيس البرلمان نبيه بري، شريك «حزب الله» في الثنائية الشيعية، انها «مرشحه الرئيسي» للرئاسة.
ولعل الأبرز في كلام أحد هذه المصادر انها استشمّت في لقاء بنشعي مدى التأزم في أوضاع الحريري الى حد بلوغ وضعه خيار عون على الطاولة ولو من ضمن حرصه على إعلاء شعار توسيع المشاورات السياسية مع القيادات السياسية للخروج من أزمة الفراغ التي لم يعد ممكناً البقاء فيها على النحو الحاصل، كما من رفْضه ان يكون جزءاً من التعطيل، وسط تقارير تحدّثت عن ان الحريري طلب من فرنجية ايضاً إجراء مشاورات مع حلفائه الذين لم يقوموا بما يلزم لضمان انتخابه رغم انه يملك الأكثرية المطلوبة للفوز في الدورة الثانية، وهو ما فُسّر على انه تمهيد للخروج من دعم ترشيح زعيم «المردة» وفتح الباب امام خيارات أخرى.
وتبعاً لذلك، تقول أوساط سياسية مطلعة على الكثير من مجريات هذا التطور إن دوافع الحريري نحو وضْع كل الخيارات الرئاسية بما فيها تحديداً خيار عون على طاولة المشاورات التي أطلقها، هي خليط من أزمته الداخلية (المالية كما السياسية) والأوضاع العامة في البلاد. واذا كان لا مجال للخوض تفصيلياً في هذه الدوافع، فان ذلك لا يعني التقليل اطلاقاً من المطبات والعقبات الكبيرة والمعقّدة التي تعترض هذا الخيار في حال المضي به فعلاً.
اذ ان تحرُّك الحريري أدى في المقام الأوّل الى طرْح التساؤلات الكبيرة عن الثمن الذي قد يرتّبه عليه في منزله الداخلي اي داخل «تيار المستقبل» وكتلته النيابية التي شخصت الأنظار الى الاجتماع الذي عقدته بعد ظهر امس برئاسة الحريري والتي يسود واقع الرفض الواسع فيها لانتخاب عون رئيساً، وهو الأمر الذي يبدو انه يشكل أقوى الاختبارات والتحديات التي ستواجه الحريري اذا قرّر المضي في خيار عون. وثمة في هذا السياق مَن يطرح مخاوف من ان اي حرْق للمراحل بمعنى عدم تحضير «المستقبل» كتلةً وكوادر وبيئة لمثل هذا «الانقلاب الانتخابي» يمكن ان يكون مكلفاً على «التيار الأرزق» على مشارف مؤتمره العام في نوفمبر كما شعبياً بما قد يؤدي الى «تسرُّب» في مؤيديه نحو خيارات أخرى خرجت من تحت عباءة الحريري ولا سيما مع بدء العدّ التنازلي للانتخابات النيابية المقبلة 2017 والتي «يكمن» للحريري فيها ايضاً قانون انتخابٍ يريده خصومه على قاعدة نسبيةٍ لا تأكل إلا من «ًصحن» زعيم «المستقبل» سنياً، بما يؤثر على «الرافعة الأساسية» التي تجعله «مرشحاً طبيعياً» لرئاسة أي حكومة.
ثم ان وتيرة التساؤلات اشتدّت حيال موقف بري الذي يُعدّ أقوى المناهضين لانتخاب عون، وهل بات ممكناً حمْله على السير في الاتجاه المعاكس، وايّ ثمن سيرتبه ذلك في وقتٍ يشترط بري الاتفاق على سلّة تسبق التفاهم على الرئيس وتواكبه. علماً ان دوائر سياسية تعاطت مع حركة الحريري في اتجاه فرنجية والانفتاح على خيارات أخرى بينها عون، على انها لنقل كرة تعطيل الاستحقاق من ملعبه الى ملعب «حزب الله» كما بري الذي سيكون عون بمواجهته في حال أصرّ على موضوع السلّة فيكون اي تأييد له من الحريري بلا طائل.
كما تشير الأوساط السياسية المطلعة في معرض قراءتها خريطة المطبات امام خيار عون الى ان موقف جنبلاط لا يزال عرضة لشكوك. علماً انه كان أوفد الوزير وائل ابو فاعور اول من امس الى المملكة العربية السعودية للوقوف على رأيها في مسار الاستحقاق الرئاسي. وقد عاد ابو فاعور وقام بزيارتين أمس لكل من الرئيسيْن بري وتمام سلام.
تــابــــع كــل الأخــبـــــار.
إشترك بقناتنا على واتساب
Follow: Lebanon Debate News