ليبانون ديبايت - عبدالله قمح
هبّت رياح المصالحات على منطقة ريف دمشق الجنوبي الغربي مع كلِّ ما تحمله من انعكاسات على منطقة القلمون الغربي في ظلِّ أنَّ المنطقتين يمكن الربط بينهما انطلاقاً من ارتباطهما الجغرافي. المنطقة الحدودية مع لبنان تنشط في عقدِ قرانِ الصّلحِ في ظلِّ انخفاض نسبة ترجيح الحلِّ العسكريّ الذي أُثْبِتَ عقمه.
تستعد منطقتي الزبداني ومضايا لستاتيكو جديد يتضمّن تطبيق بنود اتفاقٍ كاملٍ لوقف إطلاق النّار الذي جرى توقيعه بين المسلحين وحزب الله في الزبداني في أيلول عام 2015، سيكون ذلك ضمن صفقةٍ تشمل بلدتي الفوعة وكفريا في ريف إدلب الشمالي. وبينما يدور التفاوض الشّاقّ في قطر التي جمعت بين جدرانها التركي المُوكّل عن أحرار الشام، والإيراني المُوكّل عن حزب الله والدولة السورية، وطبعاً "الإمارة" التي تمتلك حصريّة الحديث عن جبهة النصرة (فتح الشام)، ثَمَّةَ مؤشرات تجنحُ نحو عقد اتفاقٍ يقضي بخروج نحو 8000 من أهالي كفريا والفوعة مقابل حشودات مسلحي الزبداني ومضايا. وعلم "ليبانون ديبايت" أنَّ وجهت المسلحين ستكون إمّا جرابلس في ريف حلب أو مدينة إدلب، على أن تجمع أهالي كفريا والفوعة إمّا في منطقة جنوب دمشق (السيدة زينب)، أو وضعهم في الزبداني كإجراءٍ محدّد حتّى يتمّ الانتهاء من مشكلة وجود تنظيم القاعدة في إدلب، لكن مصادر معارضة رأت في هذه الخطوة محاولة لـ"إجراء تغيير ديموغرافي على الحدود مع لبنان".
وعلم موقعنا أنَّ "المفاوضات عُرقلت في الساعات الماضية ودخلت في جمودٍ نتيجة انقلاب المعارضة على طروحاتهما؛ وهو ما يفسّر محاولة جبهة النصرة للردّ في الجرود اللبنانية والسوريّة في السّاعات الماضية".
عموماً إنَّ الصفقة التي تأتي على شكلِ تسويةٍ، تردّد لـ"ليبانون ديبايت" أنّها ستكون بضامنة قطريّة - تركيّة - إيرانيّة وتطبيقها محصور في مهلةٍ زمنيّةٍ محدودة وسيدخل حيّز العمل فور توقيع "ورقة الضمانات" التي ستشكل فيها روسيا عامل الحماية.
وفي ضوء نتائج ملف الزبداني - مضايا، وجد النازحون من قرى القلمون والمقيمين في مخيماتٍ على تخوم عرسال أنفسهم في عُنق الزجاجة نتيجة وضع "جبهة النصرة" اليد على أعناقهم. "النصرة" على ما يظهر تتخبّط في كتلةٍ من التناقضات، فبينما تبارك التفاوض على مستوى الملف الأول، تحرّمه في الملف الثاني، لا بل إنَّ أميرها في الجرود الغربية أبو مالك الشامي (التلّي)، أصدر بياناً كفّر فيه كلّ من يجنح نحو الصلح، وهو ما راكم الغضب لدى النازحين الذين شكّلوا أواخر عام 2015 فصيلاً مسلحاً أطلقوا عليه اسم "سرايا الشام" ضمَّ كل من: "تجمع واعتصموا بحبلِ الله، لواء الغرباء، لواء رجال من القلمون، تجمع القلمون الغربي، كتائب شهداء القسطل، كتيبة ذرع القلمون، كتيبة شهداء النبك، وكتيبة ابن تيمية".
هؤلاء، كان "ليبانون ديبايت" قد نشر تقريراً قبل أكثر من شهرٍ يتحدّث فيه عن فتحهم باب التفاوض مع حزب الله والدولة السورية من أجل توفير عوامل العودة إلى قُراهُم نتيجة تيقّنهم باضمحلال الحلِّ العسكريّ، وعليه لا يُريدون أن يكونوا "ورقةً محروقةً" يتمُّ الاستفراد بها عند سلوكِ الحلِّ السياسيّ التي تدفع القوى الإقليمية الغارقة في رحابِ التفاوض، طريقه نحو التطبيق الفعلي.
لكن اندفاعت "سرايا الشام" نحو توفير عوامل الحل السياسي من خارج إرادة "جبهة النصرة" وأميرها الذي يستبيح مخيمات النازحين في عرسال أرخت بظلالِهَا السلبيّة وأنتجت تأزّماً في العلاقة بين الطرفين عبّر عنه من خلال اندلاع اشتباكاتٍ بين الطرفين في جرود القلمون وعرسال مطلع شهر آذار عبر استغلال حادثةٍ مفتعلة هي رفض السماحِ بمرور عددٍ من قادةِ "سرايا الشام" يتقدّمهم أحد وجهاء القلمون ويدعى أبو طه العسالي بالقرب من منطقة سيطرة مسلحي "النصرة" فجرى تلاسن بينهما، سرعان ما تحوّل إلى إطلاق نارٍ ثمّ اشتباك، في وقتٍ رُدّد أنَّ هذا التطور أتى بإيعازٍ من "أبو مالك التليّ" الذي يلتمس أنَّ الأمور باتت تخرج من يده وهو ما يزيد من حجم الاستفراد به من قبل حزب الله والجيش السوري واستغلال وجود أعداءٍ جُددٍ له.
وفي سياقِ المفاوضاتِ، علم "ليبانون ديبايت" أنَّ المباحثات غير المباشرة بين حزب الله والدولة السورية، وسرايا الشام بشأن عودة النازحين من عرسال إلى قراهم قطعت شوطاً كبيراً، سرعان ما عَلِقَت بسبب تغيّر مِزاج الجهة المعارضة بعد الوصول إلى نقطة البحث حول كيفيّة إدارة المناطق في حال عودةِ النازحين والشكل الذي سيتولاه فصيل "سرايا الشام". ويبدو أنَّ الانفراجات على خطِّ التفاوض أغضبت "التلي" الذي بادر عناصره قبل أيام لمحاولة الهجوم على نقطة عسكرية تابعة لحزب الله في بلدة فليطة المُواجِهة لجرود عرسال، ما نتج عنه ردّاً من قبل الحزب الذي مشّط الجرود بالأسلحة الصاروخية والقذائف الرشاشة وصولاً إلى جرود عرسال عبر قصف مناطق ضليل وادي الخيل ووادي الدب بالسلاح المدفعيّ الثقيل، وهو ما انعكس على حركة عناصر "النصرة" الذين اندفعوا باتجاه منطقة الرهوة في جرود عرسال ما دفع بالجيش اللبناني إلى تسديدِ رمياتٍ مدفعيةٍ وصاروخية نحوهم موقعاً 14 قتيلاً بينهم قيادي ميداني يكنى بـ"الأيوبي".
"التسخين" هذا في منطقة عرسال، تقول مصادر ذات اطلاعٍ عسكريٍّ إنّه "ضُخِّم إعلاميّاً عبر الإيحاء بأنَّ النصرة كانت تحشد لمهاجمة عرسال" كاشفةً أنَّ "القدرات القتالية للنصرة في هذه الجبهة محدودة ولا تصل إلى مستوى شنِّ هجماتٍ واسعة ضمن بنك أهدافٍ محدَّدٍ مسبقاً أو هجوم كالذي حصل على البلدة في آب 2014" كذلك "لا مجال لها للخرقِ نتيجة انكشاف الميدان أمام الجيش اللبناني وحزب الله على حدِّ سواء".
مصادر عسكريّة فسّرت لـ"ليبانون ديبايت" محاولات "النصرة" على أنّها ناتجة عن "ارتباك قائدها التلي نتيجة المعلومات التي تصله حول الانفراجات في المفاوضات مع سرايا الشام، وهو ما يدفعه إلى محاولة تسخين الجبهة من أجل فرض وقائع جديدةٍ تصبّ في خانة تقوية أوراقه، أو محاولة ضرب ما جرى التوصل إليه من اتفاقٍ على بنودٍ ما".
ويظهر أن "التلي" يعوّل كثيراً على تنشيط الجبهة التي ستعيد عقارب الساعة إلى الوراء وتؤدّي إلى وضع النازحين على فوهة البركان، الأمر الذي ستتحرّك على وقعه "سرايا الشام" التي تعطي لنفسها صفةَ الممثل لهؤلاء النازحين، وبالتالي ستتبدّل المُعطيات بين المتفاوضين ويُصَار إلى الذهابِ نحو ردودِ فعل تنسف المحادثات، وهو ما تسعى إلى تحقيقه جبهة النصرة من خلال نشاطها الأخير.
ولا تُخفي المصادر العسكرية أن أبو مالك التلي متوجّس من الوقائع التي ربما ستفرض على منطقة غرب القلمون والتي ستجبرهُ على الحدِّ من تحرّكاته المحدودة أصلاً نتيجةَ تداخل مناطق نفوذه مع مناطق داعش، من جهة، ووجود جماعته في نقطةٍ تقعُ تحت نظرٍ مشتركٍ بين حزب الله، الجيش السوري والجيش اللبناني.
ولا يمكن إخفاء أن من خلف توجس التلي وسعيه إلى إسقاط التفاوض نيّة بأن يكون له دوراً في الحراك الجاري خاصّة بعد استشعاره بأنَّ السبل قد داقت أمامه وليس هناك من حلٍّ سوى التفاوض الذي يسعى إلى رفع قيمته من خلال ربط أوراقه بيده.. وفي حال فشله، فالقراءة الميدانيّة تذهب نحو توفيرِ عوامل فراره من المنطقة "ولو على ظهرِ حمار" كون القادم من معطياتٍ لن يكون لصالحه أو جماعته ابداً.
تــابــــع كــل الأخــبـــــار.
إشترك بقناتنا على واتساب
Follow: Lebanon Debate News