"ليبانون ديبايت" - عبدالله قمح
هناك من يعطي العملية التي نفّذها عناصر النخبة والمخابرات في الجيش اللبناني قبل يومين في بلدة الحموديّة غرب بريتال "صفة خاصة" لا لأنها اندرجت تحت خانة "عمليّة اسقاط الرؤوس" التي بدأها الجيش قبل أشهر قليلة مضت، بلّ لكونها اعطت انطباعاً أن الحرب على "كارتالات*" المخدّرات التي تتخذ من منطقة البقاع معقلاً لها قد شرع تنفيذها بزخم.
سمح هذا الكلام لبعض المعنيين للغوص في احتمال قيام "حرب مخدرات" على شاكلة تلك التي خِيضت في غرب كولومبيا مطلع التسعينات من القرن الماضي. لكن المفارقة أن هذه الحرب ستكون من جانب واحد نسبةً لعدم اقدام "كارتلات المخدّرات البقاعيّة" على اقحام نفسها في مغامرة غير مجدية لعدّة عوامل لا تُحسب لصالحها وتختلف جوهريّاً عن ذك الوضع الذي ساد كولومبيا، إذ لا يتوّفر هناك النفوذ الحزبي أو العشائري، بلّ يقتصرّ الأمر على وجود عصبيّات ماديّة ومافيات نشطة ووضع سياسي مُعارض.
يشبّه بعض المعنيين ملف منطقة البقاع الشمالي بغرب كولومبيا من حيث الشكل والحالة الاجتماعيّة وفي جزء منها السياسيّة، إذ تنشط زراعة وتصنيع المخدرات، ويعتقدوا في قرارة أنفسهم أن البقاع أصبح نموذجاً مصغّراً للغرب الكولومبي مظلّلاً باعتقاد راسخ حول وجود جهات مستفيدة من خلق إمارة مشابهة للوضع في ذلك البلد اللاتيني.
ليس سراً إن قلنا إن العمليّة العسكريّة التي جرت في الحموديّة وصل صداها إلى بارونات* المخدّرات الآخرين الذي يحسبون أن يكونوا الرقم 2 على لائحة المطلوبين. وليس سراً أن هؤلاء عاشوا مدّة من الراحة جعلتهم يصرّفون النظر عن اعتبار أنفسهم مطلوبين وملاحقين، فإنصرف بعضهم للقيام بتجارات يعود ريعها لأبناء المناطق لأهداف ذاتيّة ترتبط بتجنيد الولاء.
هذا الوضع تغيّر بعد مقتل المطلوب بنحو 3000 مذكرة توقيف، علي زيد إسماعيل، الذي اعطى لنفسه لقب "اسكوبار"، إذ سقطت المظلّة التي كان يظنّ البعض أنها مرفوعة فوق رأسه، فعاد كل البارونات إلى وضعيّتهم السابقة - المفضّلة، أي الاختفاء والاحتماء وتشديد الأمن.
هناك فرق شاسع بين "بابلو اسكوبار" النسخة الكولومبيّة الاصليّة وعلي زيد اسماعيل النسخة البقاعيّة المقلّدة، وبعد التدقيق في الشخصيتين ليس صعباً أن تصل إلى خلاصة مفادها أن ما يجمعهما هو الزمالة في المصلحة وتشاركهما في "الغرب" لا أكثر.
تسمح المعلومات المتوفّرة حول المسار الطويل الذي راكمه علي زيد اسماعيل باستخلاص أن صاحب موكب سيارات ذات الرقم 312 كان بعيداً كلّ البعد عن الهالة التي احاطت ببابلو اسكوبار، وقد انتقى أن يختار منها اللقب فقط وأعطاه لنفسه لما يحمل من معانٍ ومضامين يسهل تسويقها لدى العامة وفي الاعلام.
معنى ذلك أنه استفاد من الاسم كعامل جذب أولاً وولع في الشخصية ثانياً، ثم عمل عكس المسار الذي انتهجه اسكوبار الكولومبي خلال حياته، ولم يثبت أن كان قريباً من الناس أو أنشأ لمصلحتهم صروحاً اجتماعيّة، ولم يوفر لهم الحماية بل سحبها منهم وجيرها لنفسه.
فنسخة علي اسماعيل اشتهرت باستدراج العمالة الاجنبيّة للتوظيف في "المصلحة" إلى جانب تنقيحها بعناصر لبنانيّة، بينما امتازت نسخة اسكوبار "الاصلي" بصفاء العرق الكولومبي على ما عداه.
نسخة علي اسماعيل اشتهرت بالحالة السلبيّة وكانت أقرب إلى عصابة خطف وترهيب، وزعت "الزعرنات" على طول الحموديّة ومحيطها وجعلت من البلدة إمارة مقفلة تطيع الأمر خوفاً من الانتقام. بينما نسخة اسكوبار الاصليّة اشتهرت في الثمانينات بقربها من الناس وتقديمها المنازل لهم وبناء ملاعب كرة القدم وتأمين الوظائف وتوفير المساعدات العينيّة وخلق حالة عقائديّة - عصبيّة ممزوجة بالسياسة من خلال استنهاض الحزب الليبرالي بنسخة بديلة.
هناك مقولة رائجة عن بابلو اسكوبار الاصلي أنه أحرقَ 2 مليون دولار من أجل تدفئة ابنته من البرد، بينما نسخة علي اسماعيل احرقت 7 من رفاقه بينهم والدته وزوجة مرافقه من اجل أن يستخدمهم كدرع بشري لتأمين فراره من المأوى الذي يتحصن به.
ثمة ايضاً اختلاف عملي لا يمكن المرور عليه، هو أن اسكوبار سيطر على 80% من الإنتاج العالمي للمخدرات (مادة الكوكايين تحديداً) ثم جيّرها للاستحواذ على 75% من سوق المخدرات في الولايات المتحدة التي كان ينظر اليها كـ"عدو"، معنى ذلك أنه ترك 5% فقط من قدراته لسوق آخر. بينما المقارنة تثبت أن سوق علي اسماعيل كان بنسبة 95% محلياً صافياً وزع نشاطه تحديداً في بيروت والمتن الشمالي وجبيل عبر اذرع وشبكات من المروجين الصغار والكبار.
أضف إلى ذلك أن اسكوبار استخدم مواداً مخدرة كـ"الكوكايين" لكنها تصنّف أقلّ ضرراً من مادة الهيرويين والحبوب الكيميائيّة الموضوعة ضمن خانة السامة جداً التي اشتهر بترويجها علي اسماعيل حتى أطلق عليه اسم "ملك الهيروين اللبناني".
حتى أن السوق يشهد لاسكوبار البقاع حصوله على حصريّة حقوق انتاج وبيع اِبر الهيروين السامة التي تجتاح السوق وتعتبر من أكثر المواد انتشاراً لدى فئة المدمنين في لبنان، يعني ذلك أن "علي" باع السم لمواطنيه وجنى منه وعبرهم الاموال التي كدّسها في فيلّته إلى جانب أطنان مادتي حشيشة الكيف والهيرويين التي صادرها الجيش خلال المداهمة قبل يومين.
--
*كارتلات: مفردها كارتل وهي شبكات تجارة المخدرات وهو اسم يستخدم في أميركا اللاتينية
*بارونات: مفردها بارون. بالفرنسية Baron de la drogue أي زعيم أو رئيس شبكة كبيرة تنشط في تجارة المخدرات
تــابــــع كــل الأخــبـــــار.
إشترك بقناتنا على واتساب
Follow: Lebanon Debate News