رصد

placeholder

LD
الثلاثاء 31 تموز 2018 - 10:03 LD
placeholder

LD

المحتفلة المتعرية.. ذبيحة مواقع التواصل

المحتفلة المتعرية.. ذبيحة مواقع التواصل

المصدر : روجيه عوطه - المدن
ما أن انتشرت صور الشابة التي نزعت ملابسها عن جسمها وأطلت من الفتحة الفوقية للسيارة على أحد الأوتوسترادات الساحلية، حتى شنت كثرة من مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي هجوماً عليها، لأنها، على قول بعضهم، "تنشر الفساد الأخلاقي، وتدمر المجتمع"، داعين الى معاقبتها لـ"تكون عبرة لمن اعتبر".

على أن ملاحظة العنف الذي يتسم به كلام هؤلاء ضدها، قد يدفع إلى الاعتقاد بأنهم في الواقع يدافعون عما هو وطيد الرسوخ في عيشهم، أي نظام القيم والمعايير، الذي يضمن اجتماعهم، ويحمله على الاشتغال، محدداً المسالك والتصرفات فيه. إلا أن العنف إياه يشير إلى العكس، إلى أن ذلك النظام ليس مزعزعاً فقط، بل إنه آفل أيضاً. ولهذا، هو بمثابة مظهر. وعليه، تكون الغلظة في الحكم مجرد وسيلة لتفعيل المظهر، أي لجعله فعلياً.

بالتالي، عندما يمضي جمهور المستخدمين إلى التشهير بالشابة، والحث على إنزال العقوبة بها، فإنهم يجهدون في نفي انعدام النظام الذي يزعمون الدفاع عنه. لكنهم بمجرد فعلهم لذلك، يكفلون انضمامهم إلى غيره، إلى نظام التواصل، حيث يقدمون الشابة ذبيحة له كي يقتربوا منه، عبر مهاجمتها إلكترونياً، ليس لأنها كشفت أن نظامهم الأخلاقي ساقط، بل كي يقتربوا من نظام التواصل، متحولين إلى مؤمنيه، أي الأكثر إيماناً به، كما لو أنهم حين دافعوا منذ البداية عن النظام الأول، كان ذلك من أجل أن يكرسوا النظام الثاني، من أجل مناصرته.

وها هم، وفي سياق تكريسه ومناصرته، يستدعون قوى الأمن، التي تسرع إلى الإستجابة لهم من خلال "التحكم المروري"، حيث أنها، وبدورها المراقب، لا تصون سوى النظام ذاته. وبعبارة أخرى، يذبحون الشابة من أجل الدخول إلى نظام التواصل، وليس من أجل الحفاظ على نظامهم الأخلاقي الذي ينفون انعدامه، ويدعون وجوده، من خلال عنفهم.

لكن، من هي هذه الذبيحة؟

إنها المحتفلة، أكان ذلك عن سابق تصور وتصميم، أو بعفوية و"تحت تأثير الكحول"، مثلما تناقلت الكثرة ذاتها، لا فرق. فالمهم أنها برزت في الفضاء العام من دون احتراس من العدسات التي تأهله، والتي تلتقطها. وبما أن الفضاء العام في نظام التواصل، فتلك الشابة تقع في الأخير، الذي سرعان ما يقونن تعرّيها، يقبض عليه، ويختزله بإبانته والتفرج عليه، أي يحولها إلى مجرد عارضة جسد، تحاول جذب العيون نحوها، لكي تنجّم.

على هذا النحو، ينطلق الحرس القديم لنظام التواصل، أي التلفزيون، صوبها، ساعياً إلى التأكيد على نجوميتها. لكنه عندما يجد أنها لا تنفعه، لأنها ليست منتظمة على أساسه ولا تدور على شاشته الترفيهية، يقلبها إلى كبش فداء، لأنها ضعيفة، بحسبه. وبالتالي يستخدمها ليعلن للموالين له أنه يتيح لهم التفاعل حول مسألة معينة.

الحرس القديم لنظام التواصل يحتال على مواطنيه، إذ أن التفاعل، الذي لطالما أعلن عن كونه هدفه حيالهم، ليس سوى تنشيط لهم على أرض حرس نظامه الجديد، "تويتر" أو "فابسبوك". فالتلفزيون، ولكي يبقي على دوره، يصبح بوابة مشاهديه إلى مواقع التواصل الاجتماعي. ولكي يكون كذلك، عليه أن يوفر لهم كبش فداء، ويجرهم خلفه. وما هي الذبيحة؟ إنها شابة في نظام التواصل، يجري التضحية بها من أجل استقبال ذابحيها كمشاهدين/متفاعلين في النظام إياه كما لو أنهم كانوا على طرفه، وقد صاروا، على إثر ذبحهم لها، في مركزه.

وهكذا، بنقل مشاهديه إلى "تويتر" و"فايسبوك"، وبتنشيطهم هناك، يضمن التلفزيون موقعاً له داخل نظام التواصل، مؤداه أنه ليس بوابة إليه فقط، بل أنه مصنع ذبائح فيه أيضاً. يعيّنها، يدل عليها، لكي يدفع مواطنيه إلى تقذيعها وتقبيحها من أجل أن يقتربوا من مركز النظام، فيرد عنهم كل سوء وبلاء.. وهما ليس سوى عدم التفاعل كفايةً.

تــابــــع كــل الأخــبـــــار.

إشترك بقناتنا على واتساب

WhatsApp

علـى مـدار الساعـة

arrowالـــمــــزيــــــــــد

الأكثر قراءة