باتريسيا جلاد
بعد تلاطم أمواج الإنهيار المالي والنقدي والإقتصادي طيلة عامين وثلاثة أشهر، بدءاً من اندلاع الثورة وتحليق سعر صرف الدولار عالياً وصولاً الى شحّ العملة الخضراء، وهدر أموال المودعين على دعم غير مجدٍ شكّل طوابير ذلّ على أبواب محطات المحروقات والسوبرماركات...والغرق في العتمة الشاملة... ها نحن ندخل اليوم في مرحلة من الركود في مستنقع الأزمات الناشطة التي ستطول وتترك تداعيات وخيمة على الأجيال القادمة.
فالقطاعات الإقتصادية الخاصة تحاول الصمود والتأقلم على ضوء المتغيرات التي حصلت جراء انهيار الليرة اللبنانية، لتضاف اليها اليوم الحرب الأوكرانية الروسية التي سترخي بظلالها على ارتفاع اسعار النفط والشحن والطحين... كيف تتموضع القطاعات الإقتصادية عموماً وكيف يتحمّل اللبناني كل تلك المشقّات ويواجهها بالّلحم الحيّ بمعيشته وتنقلاته وتدني مستواه الإجتماعي؟
الضمان الاجتماعي
تبيّن الأرقام الأخيرة الصادرة عن الصندوق الوطني للضمان الإجتماعي أن عدد الأجراء العاديين المسجلين في الصندوق تراجع منذ نهاية العام 2018 من 520178 مستخدماً الى 460680 مستخدماً في تشرين الثاني 2021 اي بخسارة سوق العمل نحو 60 ألف عامل وتحديداً 59498 مستخدماً.
هذا بالنسبة الى الأجراء المسجلين في الضمان، ما ادى الى تراجع ايراداته، اذ ارتفع سعر صرف الدولار من 1515 ليرة لبنانية حتى 21 ألف ليرة، وبذلك باتت التغطيات الصحية والإستشفائية التي يوفرها الصندوق الوطني للضمان تشكّل نسبة 10% من اجمالي الفاتورة المستحقة على المريض وفقاً للسعر الرسمي للدولار.
وجاء خروج نحو 60 ألف مستخدم مسجل في الضمان من سوق العمل كما أكّد مدير عام الصندوق الوطني للضمان الإجتماعي محمد كركي لـ»نداء الوطن»، «نتيجة تقليص بعض المؤسسات حجمها والحدّ من الأعباء الملقاة على عاتقها فعمدت الى صرف عدد من موظفيها بهدف الإستمرار، كما أن عدداً كبيراً من المؤسسات أقفل أبوابه». بالنسبة الى القطاع المصرفي على سبيل المثال، تمّ صرف نحو 6000 موظف وهذا العدد الى تصاعد اذ تعمد المصارف الى متابعة مسار اقفال فروعها وصرف العاملين لديها، ومن المتوقع ان تسجّل أعداد المصروفين الجدد 6000 موظف إضافي».
مقابل ذلك، ساهمت وتيرة التسريحات المستمرة والمتسارعة من العمل، كما أوضح كركي، «بزيادة عدد المستفيدين من الضمان للمتقاعدين والإختياريين». فعدد المضمونين إختيارياً تضاعف اذ ارتفع من 9708 في نهاية العام 2018 الى 18929 مضموناً في شهر تشرين الثاني 2021. اما عدد المتقاعدين فارتفع من 4545 في العام 2018 الى 15022 لغاية تشرين الثاني 2021.
وفي المحصّلة عن المضمونين والمستفيدين على عاتقهم من الضمان الإجتماعي، انخفض عددهم من 1.526 مليون في نهاية 2018 الى1.383 مليون مضمون اي بتراجع بنحو 143 الف شخص.
زيادة الأجر 1.325 مليون ليرة
إزاء هذا الوضع، وفي ظلّ عدم إقبال الحكومة على زيادة الحدّ الأدنى للأجور والبالغ 675 ليرة لبنانية، توصل كركي بالتعاون مع الهيئات الإقتصادية ووزير العمل والإتحاد العمالي في لجنة المؤشر الى اتفاق الخميس الماضي لإقرار زيادة 1.325 مليون ليرة لبنانية على الراتب لغاية الـ4 ملايين ليرة وبذلك بات الحد الأدنى للأجور 2 مليون ليرة ومن يصل راتبه الى 2,675 مليون ليرة يمكنه بذلك الإستفادة من زيادة الـ1,325 مليون ليرة ليصل الى 4 ملايين ليرة. ويعتبر هذا الأمر بالنسبة الى كركي إنجازاً رغم ضآلة المبلغ نسبة الى غلاء المعيشة، «لأنه حظي بموافقة المؤسسات الخاصة على إدراجها ضمن الراتب»، كما اوضح.
ومن المتوقع أن يدخل هذا القرار حيّز التطبيق بعد موافقة مجلس الوزراء عليه خلال نحو اسبوعين «وسينعكس ايجاباً على ايرادات الضمان التي ستزيد 1100 مليار ليرة سنوياً»، كما أكد كركي، ما سيزيد كلفة تسديدات الضمان للمستشفيات الى الضعف وقد ترتفع الى 3 أضعاف اذا تمكنت لجنة المؤشر في ما بعد من التوافق على زيادة جديدة على الراتب. وبالتالي ستنخفض قيمة تسديد الفروقات التي يسدّدها المضمون في المستشفيات الى الضعف في مرحلة أولى وقد تصل الى ثلاثة أضعاف اذا ما استمرت وتيرة الزيادة في ما بعد.
بدلات النقل
وبالنسبة الى كلفة التنقّل، رغم ارتفاع سعر صفيحة البنزين خلال عامين من 25000 ليرة لبنانية الى نحو 400 ألف ليرة وتخطي كلفة النقل قيمة الراتب، لا يزال الموظف مرغماً على الذهاب الى عمله لكسب راتب شهري زهيد يعتبر أفضل من لا شيء، حتى أن بعض الشركات وفي ظل استمرار وباء كورونا واستمرار مزاولة العمل «أونلاين»، أجازت لموظفيها عدم الحضور يومياً الى العمل بل اكتفت بيومين او ثلاثة ايام أسبوعياً. أما اصحاب بعض المؤسسات الأخرى، فزادت من قيمة التقديمات كتعويض عن ارتفاع كلفة المواصلات أو اخذت على عاتقها نقل العمال الى منازلهم بباص خاص. هذه التدابير السارية واكبها منذ شهر اقرار زيادة بدل النقل الى 65 ألف ليرة في اليوم ارتفاعاً من 8000 ليرة سابقاً ثم 24000 ليرة مع بدء رفع الدعم عن المحروقات.
القطاع الصناعي
وعلى صعيد القطاع الصناعي ومواءمته للمتغيرات أو المصائب المتسارعة المنهالة على أصحاب المصانع من ارتفاع أكلاف الطاقة والمازوت وغياب نقل عام مشترك ومنع التحويل الى الخارج...، «جهد لتلبية حاجات السوق مع اجتياح لبنان وباء كورونا وانهيار الليرة، وسعى لإدخال الفريش دولار» الى البلاد من خلال الصادرات. لكن كل ذلك لم يعد على أصحاب المصانع بالفائدة اذ قررت دول الخليج وقف الإستيراد من لبنان، فكان ذلك الضربة القاضية بالنسبة اليهم، باعتبار أن التصدير الى دول الخليج يشكّل نسبة 40% من إجمالي الصادرات اللبنانية.
في ظل ذلك التخبّط وبهدف الإستمرارية انقسمت المصانع كما أوضح رئيس جمعية الصناعيين فادي الجميّل لـ»نداء الوطن» الى جزءين: قسم لا يزال يصدّر الى الخارج ويحصّل «فريش دولار»، اصحاب تلك المصانع حسّنت مدخول المستخدمين لديها وباتت تزودهم بتقديمات بالدولار، فيما المصانع التي توقف عملها مع وقف التصدير الى الخليج، ساء وضعها وصححت رواتب أو تقديمات عمالها بخجل، حتى أن بعض المؤسسات تموضع وأوجد فروعاً في الخارج.
ويقول الجميّل إن «المصانع اللبنانية تئن وتنزف اذ لم تحصل اي عملية تصحيحية لوضعها في ظلّ غياب خطة كاملة للنهوض وتوالي الأزمات من كل حدب وصوب. كل مؤسسة قامت بمعالجة ضائقتها وفق قدراتها، فسعت للمحافظة على اليد العاملة نسبة الى أوضاعها وامكانياتها ضمن إطار ديمومة عمل المؤسسة». مشيراً في هذا السياق الى أن «الصناعي لديه ثلاثة هموم: هم المواطن وقدرته الشرائية والمعيشية، وهمّ العاملين بالقطاع الصناعي واستمرارية المؤسسة». من هنا جاءت مطالبته «بخطة كاملة متكاملة للتعافي بمواكبة من خطة طوارئ موازية قابلة للتطبيق بسرعة».
الإستيراد والأزمة
أما بالنسبة الى السلع المستوردة من الخارج ونوعية تلك التي تطرح في الأسواق، فشهدت تبدّلات أسوة بالقدرة الشرائية المتوفرة والتي تدنت. فعمد التاجر الى التركيز على السلع «الأرخص» أو الأقل كلفة، «حتى أن لبنان أدرج على لائحة الدول الأقل تطوراً بالنسبة الى الشركات التي نستورد منها، بعدما كان يصنف ضمن الدول الراقية، كوننا كنا نستورد منتجات ذات كلفة مرتفعة»، كما أوضح رئيس نقابة مستوردي المواد الغذائية في لبنان هاني بحصلي لـ»نداء الوطن».
وأضاف: «بعد اندلاع الأزمة المالية والنقدية والإقتصادية في البلاد، انعدمت القدرة الشرائية لدى المواطنين، فتوجه المستورد نحو السلع المنخفضة السعر، وأعاد تموضع المنتجات التي كان يستوردها من تركيا أو الهند، حتى ان المقتدر بات يختار السلعة «الأرخص منها».
وهكذا شهدت الأسواق كما أوضح بحصلي نوعين من الإنخفاض:
- إنخفاض عمودي في القدرة الشرائية، فبات المستهلك يختار السلعة الأرخص.
- انخفاض أفقي اذ عمد الى الإستغناء عن شراء منتجات معينة لا تلائم قدرته الشرائية.
وبالنسبة الى تغيير وجهة الإستيراد، أكّد بحصلي «أننا لا نزال نستورد من كل دول العالم ولكن هناك تفاوت في النسب واعادة تموضع. بمعنى آخر القطاع الخاص استطاع التأقلم مع الأزمات واعتاد على هذا الأمر ولديه مرونة مع الصعوبات وإعادة تكوين نفسه من جديد».
في ظل هذا الواقع، المؤسسات الخاصة تحاول أن «تسيّر» أمورها بنفسها ولكن ذلك التصحيح الخجول لأوضاع العمال، لا يحسّن مستوى معيشة أفراد الطبقة الوسطى الذين انحدروا الى الطبقة الفقيرة في ظلّ المسار التصاعدي للأسعار وللأكلاف ودولرة كل القطاعات في البلاد، ما يدفع هؤلاء الى إنفاق ما تبقى لديهم من ودائع في المصارف ولو تمّ سحبها بربع قيمتها.
مليون مستهلك ينفق كالعادة ويعطي انطباعاً عاماً خاطئاً
يسأل كثيرون عن عودة مشاهد زحمات السير، وكيف أن مطاعم ومقاهي تعجّ بالروّاد ، وسوبرماركات عادت إلى تسجيل أرقام مبيعات جيدة نسبياً قياساً بظروف الأزمة. المسألة ليست سرّاً ، فإذا بقي نحو 20 % من السكان بأوضاع ميسورة، فهذا قد يساوي مليون نسمة من إجمالي السكان. وهذا المليون قادر على الاستهلاك كما كان سابقاً، ويمكن له بسهولة إعطاء انطباع أن في الأسواق والمطاعم روّاداً ومتسوّقين. نضيف إلى ذلك تحويلات المغتربين إلى أهاليهم، التي وإن كانت بمبالغ دولارية بسيطة شهرياً (بين 100 و300 دولار)، فإنها باتت تشكل فرقاً ما قياساً بما قبل الأزمة . فالأسعار اليوم أقلّ من السابق، بعدما فقدت الليرة أكثر من 90% من قيمتها، إذ حصل تصحيح في الأسعار، وباتت أكثر عقلانية مقارنة بأيام الفقاعة التي تفاقمت على نحو جنوني بفعل تثبيت سعر الصرف 23 سنة متواصلة.
إلى ذلك، هناك الكثير من الجمعيات و»الإن جي أوز» التي تنفق بالدولار وتفيد شرائح معينة من المقيمين. ولا ننسى آلاف الشركات في القطاع الخاص التي بدأت تصحيح الأجور بطريقة صرف جزء من الراتب بالدولار إلى جانب الليرة اللبنانية، وشركات أخرى صحّحت نسبياً الرواتب بالليرة .
ما سبق لا ينفي أن نسبة 80% من السكان تعيش بين فقر وفقر مدقع مقارنة بالمستوى المعيشي السابق، وأنّ البطالة تطال 40 إلى 50% من الشباب بشكل مباشر وغير مباشر، حتى لو أن نسبة من هؤلاء تتدبّر أمرها بالتي هي أحسن (على الطريقة اللبنانية الفوضوية الرائجة جداً في السوق السوداء أو بلا إفصاحات) من دون أي أمان وظيفي أو استدامة في المداخيل التي وإن حصلت عليها فإنها تبقى استثنائية.
التصحيح الجزئي أعطى انطباعاً خاطئاً للسياسيين الممسكين بزمام السلطة ودفعهم لشراء أي وقت إضافي متاح إلى ما شاء الله لإبعاد أي استحقاق إصلاحي يقلّص نفوذهم أو يأكل من هيمناتهم ومصالحهم.
تــابــــع كــل الأخــبـــــار.
إشترك بقناتنا على واتساب
Follow: Lebanon Debate News