كارين عبد النور - نداء الوطن
المناهج التعليمية تابِع. هي شكوك مشروعة استعرضناها يوم أمس وتحوم حول أسباب «تقاعُس» المركز التربوي للبحوث والإنماء عن إنجاز ورشة تطوير المناهج التربوية المموَّلة من البنك الدولي منذ العام 2017. والشكوك تشكّل مدخلاً لِطرح المخرجات المنجزة حتى الساعة، مع ما ستحمله المناهج من جديدٍ مستحدَثٍ يراعي تَطوّر فكر الشباب اللبناني. هذا في ظلّ توجّس البعض من أن ما ستلِده المساعي المتّصلة - بعد مخاضٍ طويل - لن يتجاوز أحلاماً غير قابلة للتحقّق.
نكمل حديثنا مع أركان المركز التربوي ونستفسر عن دور كل من التفتيش والإرشاد التربويّين في مراقبة عمل المناهج. رئيسة المركز، البروفيسورة هيام إسحق، توضح لنا أن مشاركة التفتيش جاءت بناءً على إصرار المركز على إشراك كافة أعضاء المجتمع التربوي. لكن الأستاذة والنقابية، سهام أنطون، طرحت هنا علامات استفهام حيال مشاركة التفتيش في وضع الإطار والأوراق الداعمة له، ذلك أن مهام الأخير الأساسية هي المراقبة وتقييم العمل. وحين يتمّ إشراكه على أساس «تنفيعات» للمفتشين، إنما يفقد دوره الرقابي. أما الإرشاد التربوي الذي تُشارك مديرته في وضع المناهج، فقد غاب عن اللجان كثيرون من منسّقيه الذين راكموا سنوات من خبرة العمل الميداني، لتقتصر المشاركة على بعض المقرّبين سياسياً من جهات نافذة.
وعن سؤال حول التحضيرات والمرحلة التي وصلتها ورشة وضع المناهج، رأى منسّق عام مشروع تطوير المناهج، الدكتور جهاد صليبا، أنه كان يجب البدء بمشروع تطوير المناهج منذ ست سنوات، لكن ذلك تأخّر - لأسباب كثيرة - إلى العام 2021 مع خطة إطلاق المناهج التربوية. «قُمنا بدراسات مع باحثين من عدّة جامعات لبنانية تتعلّق بالواقع التربوي كما بتقييم مناهج العام 1996 وسوق العمل وغير ذلك. بعدها حضّرنا مسودة لمخرجات هذه الدراسات تلتها عدّة نقاشات وجلسات عمل ضمّت عدداً كبيراً من أعضاء المجتمع التربوي، المؤسسات الخاصة، ممثّلين عن الأهل والتلامذة والجامعات الخاصة، كما النقابات والاتحادات مجتمعة. وبعد استلام الرئيسة إسحق رئاسة المركز قُمنا بتشكيل لجنة صياغة أخذت كافة الملاحظات والمسودات في الاعتبار وعرضت توليفة أخيرة على اللجنة العليا للمناهج والمجتمع التربوي ككلّ، ليُطلَق بعدها الإطار الوطني في القصر الحكومي في كانون الأول 2022».
الوقت داهم
نبقى مع التحضيرات. أنطون أشارت إلى عدم إعلان المركز التربوي بشكل واضح حتى اليوم عن انتهاء العمل على الأوراق الداعمة للإطار وبدء المرحلتين الأخيرتين: إنتاج الدروس النموذجية وتجربتها في المدارس. كما لم يقم بنشر أي من الدراسات التي يدّعي القيام بها مقابل مبالغ طائلة ما يطرح بعض علامات الاستفهام حول كيفية إتمامها في وقت يفتقد فيه لبنان إلى داتا التحليل والتقييم. وإذ تنتهي مهلة القرض في شباط المقبل، تساءلت أنطون ما إذا كان المركز سيتمكّن من إنتاج الدروس وتجربتها في أشهر قليلة في حين استلزم الإطار والأوراق الداعمة له ست سنوات من العمل. «لا شك أن المركز متأخر بشكل فاضح عن المراحل التي يجب إنجازها والأخطر هو أن يأتي هذا الإنجاز «المستعجِل» على حساب النوعية والكفاءة والمخرجات المطلوب تحقيقها. هذا التأخير الذي لحظه البنك الدولي وبقي مع ذلك مستمراً في تمويل الرداءة وإنتاج الأوراق غير القابلة للتطبيق، يُلام عليه وزير التربية بالدرجة الأولى لتسبّبه في إثقال كاهل اللبنانيين بديون إضافية».
بالنسبة لأبرز النقاط التي سيقوم المنهج الجديد بتطويرها، لفتت إسحق إلى تطوير الكفايات التسع المتقاطعة - كالتشارُك، التفكير النقدي، الإبداع، الكفايات الأخلاقية والصحية وسواها - كما العمل على تقويمها. أما أمين السرّ العام للمنسقية العامة لتطوير المناهج، الأستاذ أكرم سابق، فتطرّق إلى سياسات تربوية جديدة مثل تنظيم المقاربة التعليمية والكفايات وسياسة التقويم. إضافة إلى السلّم التعليمي، تنظيم السنة الدراسية، التربية الدامجة، الإدارة التربوية، عملية التحسين الإداري التربوي والاعتماد الأكاديمي. «عملنا على «سمات المتعلّم» حيث ينصبّ التركيز على الكفاءة والمهارات لا الهدف فحسب. هناك أيضاً لجنة «الفقدان التعلّمي» التي تقوم باختبارات لمعرفة نسبة الفقدان بحسب الحلقات في محاولة لتغطيته قبل إطلاق المناهج الجديدة». وعقّب صليبا: «نحن لا نملك إلى الآن أي سلطة تربوية على الحضانات ولا نعلم ما يحصل داخلها وما يُقدَّم للطفل، لذا نعمل على إدخال «الطفولة المبكرة» في المناهج الجديدة. وهناك ورشة قائمة بحدّ ذاتها لإدخال المرونة في المسارات بين التعليم المهني والجامعي والعالي. كما ثمة لجنة فرعية مختصّة بدراسة سوق العمل كي نتمكن من توجيه الطلاب».
طروحات غير واقعية
ماذا تقول أنطون في هذا الإطار؟ «بعض النقاط التي يزعم المركز تطويرها على أنها جديدة تُبيّن أن الذين يعملون على وضع المناهج غير ملمّين بالأرضية أو يتجاهلونها. مثلاً، ذكر الأستاذ صليبا العمل على الطفولة المبكرة غير متنبّه ربما إلى أن الدولة ما زالت عاجزة عن إيجاد حلّ لرعاية الأطفال دون عمر الثلاث سنوات في المدارس الرسمية. فمن ليس باستطاعته الاهتمام بالروضات كيف يمكنه الاهتمام بالطفولة المبكرة؟ إنها طروحات غير واقعية وغير قابلة للترجمة العملية». من ناحية أخرى، شدّدت أنطون على غياب أي فكرة لدى العاملين داخل المركز عن الأنظمة الدولية الموثوقة التي تُبنى المناهج تماشياً معها بالعادة. وتساءلت، مثلاً، إن كانت المدارس الرسمية في فرنسا تهتم بالطفولة المبكرة ورياض الأطفال وإن كانت الأخيرة من ضمن مهام المدارس الرسمية أساساً.
ومن النماذج التي تظهّر عدم إلمام القيّمين على العمل، وفق أنطون، يأتي تشكيل لجنة خاصة لدراسة سوق العمل من أجل توجيه الطلاب. وهو ما لم تتمكّن الدولة من القيام به نتيجة الأزمة الاقتصادية وعدم تَوفّر أي إحصاءات أو دراسات تُظهر حجم سوق العمل وأنواعه وطبيعته. «هذه الداتا لم تتمكّن الدولة ولا حتّى المنظمات الدولية من توفيرها. فكيف للأستاذ صليبا أن يقنعنا أن بإمكان لجنة مؤلفة من بعض الملحقين بالمركز وبعض المستشارين العمل عليها؟ أليس هذا نموذجاً آخر من نماذج أحلام الـ»حبر على ورق» مقابل أموال طائلة يحصل عليها أشخاص يمارسون أساليب المراوغة؟».
العين على تمويل جديد
أيّاً يكن، نعود ونسأل عن إمكانية إتمام المركز هذه الورشة خلال الأشهر القليلة المتبقية من عمر القرض. ويجيب سابق بأن المركز مجبر على البدء بالحلقات التجريبية وإصدار تقرير نهائي قبل شباط 2024. «لكن ذلك لا يعني البدء بتطبيق المناهج إنما تطوير كتابة المواد. وهذا التطوير يجب أن ينطلق الشهر المقبل حيث سنقوم بتجربة بعض عيّنات المواد في بعض المدارس». وأردف مشيراً إلى محاولة تأمين تمويل جديد بالتعاون مع اليونيسف والبنك الدولي لإكمال المرحلة التطبيقية وطباعة الكتب. كما أشاد بما «أنجزه» المركز في ظلّ غياب أي سياسة تربوية منذ ربع قرنٍ توحيداً للتوجّه التربوي في لبنان.
كذلك حرص صليبا على القيام بما يلزم للحفاظ على المثلّث التعليمي: المعلّم والمتعلّم والمحتوى. «صحيح أن الوضع صعب، لكن الرجاء هو ما أوصلنا لما وصلنا إليه رغم رغبتنا الدائمة في أن تكون الأمور أفضل». أما عن مسألة الطلاب السوريين، وإذ أكّد أن التعليم حق للجميع، غير أن آلية تقديم هذا الحق تحدّدها السياسة العامة للدولة، حيث أعلن وزير التربية مراراً وتكراراً أنه من غير المقبول أن يصبح اللبناني مهمّشاً داخل مجتمعه. «المنهج سيبقى واحداً لكننا ننظر في كيفية التعاطي مع المدارس التي تستقبل طلاباً سوريين. الأكيد هو استحالة دمج هؤلاء في المدارس اللبنانية»، كما يختم.
رقابة محدودة
أسوة بأي تمويل آخر، يتمحور السؤال الأبرز حول دور الجهات المموّلة في الرقابة على نوعية الإنتاج، من جهة، وطُرق الصرف، من جهة أخرى. تقول أنطون: «خلال زيارة لي وللنائبة حليمة قعقور إلى البنك الدولي، أفادنا أحد المسؤولين بأنه لا يحق للبنك مراقبة المضامين والنوعية، بحسب الاتفاق مع وزارة التربية، إنما فقط المخرج والمنتج. من هنا، فصلاحيّته في مراجعة وتقييم المشاريع محدودة». هل كان قرض الـ200 مليون دولار ونيّف، إذاً، تمويلاً مساهِماً في إدامة المنظومة الطائفية التحاصصية، لا في وضع مناهج تعليمية لبناء أجيالٍ مستقبلية مثقّفة؟ كلام نسمعه من أنطون التي اعتبرت أن «صفقة» المناهج بدأت منذ المرحلة الأولى وأن المطالبة بالفصل بين المراحل التي سبقت استلام إسحق رئاسة المركز والمرحلة الحالية أمر عارٍ عن الصحة. «كل الجهاز العامل كان متواجداً في المراحل السابقة. ونتحدّى أن يُظهر لنا المركز مخرجاً واحداً مفيداً ومثمراً للمدرسة الرسمية أُنجز من عشرات السنين في حين كان المستشارون، وما زالوا، يتقاضون مبالغ كبيرة لذلك الغرض. لا يعدو التمسّك بهؤلاء سوى انعكاس لنظام التنفيعات القائم».
أنطون دعت رئيسة المركز ختاماً إلى مزيد من الشفافية في العمل لناحية نشر روزنامة المشاريع وأسماء العاملين عليها والمخرجات التي نتجت عنها كما المبالغ التي تمّ تقاضيها. ولم يفتها التذكير بما ورد في الإعلام حول استخدام رئاسة المركز سيارات المركز لأغراض شخصية وتسديد رواتب سائقين وتمويل سفرات «فاخرة» إلى الخارج من حساب القرض. «الغريب أن المركز لم يُصدر أي نفي حول هذه المعطيات لا بل طُلِب إلى الموظفين عدم تسريب أي معلومات. فهل من الصعب عرض الأرقام بشفافية بدلاً من إطلاق الشعارات المزيّفة؟ وإذا كان المركز يسعى للحصول على قروض جديدة لتشكّل ديوناً إضافية على كاهل اللبنانيين، أوليس الأجدى تخصيص هذه المبالغ لفتح أبواب المدارس الرسمية وإعادة الطلاب إلى مقاعد الدراسة؟».
بانتظار النتائج
لا شكّ أن التساؤلات والشكوك ستشتدّ غزارة كلما اقتربنا من انقضاء مهلة مفاعيل القرض التمويلية. في حين أن المجتمع التربوي والطلاب ينتظرون مواد جديدة تخرجهم من دوامة مناهج تآكلت مع الزمن وطُمست بغباره. الوقت سيتكفّل بالإجابات. لكن إسحق ناشدت في الأثناء: «لا نريد البناء على أخبار مغلوطة ونصنع منها مادة تؤذي التربية. نحن شفافون ونتعاطى بطريقة واضحة مضحّين من أجل التربية. في حال استمرّ البعض بحملاته ضدّ عمل المركز سيسقط التمويل... ليس عنّا فقط، إنما عن القطاع التربوي مجتمعاً».
تــابــــع كــل الأخــبـــــار.
إشترك بقناتنا على واتساب
Follow: Lebanon Debate News