الافتتاحية – “ليبانون ديبايت”
من يراقب المشهد السياسي في لبنان اليوم، يدرك أننا نعيد كتابة فصولٍ من تاريخٍ لم نتعلّم منه شيئاً. كأننا عالقون في حلقةٍ عبثية من الغباء السياسي، نكرّر فيها الأخطاء ذاتها بثوبٍ جديد وأسماءٍ جديدة، وكأنّ الذاكرة الوطنية تُمحى مع كلّ دورةٍ سياسية جديدة.
في اوائل التسعينات، خاض سمير جعجع وميشال عون ما سُمّي بـ”حروب الإلغاء”، صورت وقتها كمعارك خلاصٍ للمسيحيين، لكنها انتهت إلى إلغاء الوجود السياسي للمسيحيين أنفسهم. هُزموا في السياسة كما في العسكر، ودفع المسيحيون وحدهم الثمن الباهظ، تهجير، إقصاء، وتلاعبٌ بالديموغرافيا غيّر وجه لبنان إلى الأبد.
وبين عامي 1990 و1994، تعمّقت آثار الهزيمة العسكرية والسياسية بسياساتٍ وتشريعاتٍ موجهة، أبرزها مرسوم التجنيس الذي أقر سنة 1994 والذي أحدث خللاً ديموغرافياً لا يزال المسيحيون يعانون تبعاته حتى اليوم. ثم تُرجمت تلك الهزيمة بقوانين انتخابية مفصّلة على مقاس النظام السوري وأزلامه، هدفت إلى طمس الحضور السياسي المسيحي وتحجيم دوره، في واحدة من أكثر المراحل عبثيةً في تاريخ التشريع اللبناني. كان ذلك زمن الوصاية السورية.
لكنّ المأساة تتكرّر، وإن تغيّر الخصم. فالذين ذاقوا مرارة الإلغاء يسيرون مجدداً في الطريق نفسه، وهذه المرّة باستفزاز الطرف الشيعي. وهنا تحديداً، يقف سمير جعجع في طليعة هذا النهج، متقدّماً حملة سياسية وإعلامية هدفها تأليب الرأي العام واستحضار خطوط التماس الطائفية في مشهدٍ متهوّر لا يمكن وصفه إلا بالعبثي.
فبدل أن يقدّم جعجع تطمينات للمكوّن الشيعي في هذا الوقت الحساس الذي تمرّ به البلاد، حيث تتقاطع الأزمات الداخلية مع التوترات الإقليمية، يعمد إلى استفزاز هذا المكوّن وتصوير انتخاب المغتربين المحق، وكأنه هزيمة شيعية. يرفع خطاب التحدي بوجه المكوّن الشيعي وكأنّ معركة تصويت المغتربين هي معركة تكسير رؤوس الشيعة.
هذا الخطاب الخطير لا يخدم لبنان ولا المسيحيين، بل يعمّق الانقسام ويُعيد إنتاج منطق المواجهة الذي دمّر الشراكة الوطنية، ولن يؤدي في النهاية إلا إلى خسارة هذه المعركة، لأن جعجع يتصرف مع المكوّن الشيعي من موقع المنتصر الذي يملي شروطه على الخاسرين. وهذه قمة الجهل بتكوين المجتمع والسلطة في لبنان. هذا ليس نضالاً سياسياً كما يروّج جعجع، بل عبثٌ انتخابي مغطّى بالشعارات الطائفية، يراد منه تثبيت موقعٍ حزبيٍّ ضيّق على حساب المصلحة الوطنية.
فكيف يمكن لمن يرفع شعار “الحرية والمساواة” أن يمارس في الوقت نفسه سياسة الاستفزاز والإقصاء؟ وكيف يمكن لمن يقدّم نفسه حامياً للتوازن الوطني أن يتحوّل إلى رأس حربةٍ في مشروع فتنةٍ سياسية وطائفية؟
أمّا “حزب الله”، فصحيح أنّه منذ عام 2006 أدخل لبنان في دوّامةٍ لا تنتهي من الحروب والتعطيل والانهيارات الاقتصادية، بدءاً من حرب تموز، مروراً بأحداث 7 أيار 2008، وصولاً إلى انخراطه في الحرب السورية وما تلاها من مواجهاتٍ عبثية تحت عنوان “حرب الإسناد” التي عمّقت الانقسام وأغرقت لبنان في العزلة والانهيار. لكنّ كلّ ذلك لا يبرّر بأي شكلٍ من الأشكال استفزاز الطائفة الشيعية اليوم، لا سياسياً ولا إعلامياً، في وقتٍ لا تزال تمتلك فيه أوراق قوةٍ داخلية وإقليمية مؤثرة تجعلها الطرف اللبناني الوحيد القادر على التفاوض مع إسرائيل – لا عبر مؤسسات الدولة اللبنانية، بل عبر وساطاتٍ خارجية.
ومن يظنّ، كما يشيع بعض خصوم الحزب، أن “حزب الله” سيسلّم سلاحه طوعاً إلى الرئيسين جوزيف عون ونواف سلام باتفاقٍ داخلي، فهو واهم. السلاح لن يُسلَّم إلا بتفاهمٍ خارجيٍ شامل يضمن للحزب دوراً أوسع في السلطة، وعلى حساب المسيحيين تحديداً. وهذه حقيقة يدركها كلّ من يمتلك نظرةً واقعية، ويهرب منها كلّ سياسيٍ قصير النظر يبيع الوهم لجمهوره.
السؤال الأخطر اليوم، إلى أين يجرّ سمير جعجع بعض المسيحيين، ومعهم البلد كلّه؟ ولماذا يتبنّى خطاب الاستفزاز تجاه المكوّن الشيعي؟ لماذا لا يتبنى جعجع دوراً جامعاً وهو من ذاق مرّ الإقصاء والتهميش؟ فهل بهذه السياسة يحافظ على اتفاق الطائف؟ هل بهذه السياسة يحمي مصلحة المسيحيين؟ هل بهذه السياسة يصبح رئيساً للجمهورية؟
الاستفزاز ليس شجاعة، والغباء ليس موقفاً. فإذا كنتم مؤمنين بالصيغة اللبنانية، فعليكم فهمها جيداً واللعب من ضمن قواعدها التي لا غالب فيها ولا مغلوب. فلبنان لا يُبنى بهذه السياسة الغوغائية الغبية.
كفّوا عن اللعب بالنار. استفزاز الشيعة اليوم ليس معركةً سياسية، بل مقامرةٌ بالوطن. من يفتح هذا الباب، يفتح معه أبواب الفتنة التي لا تُغلق بسهولة، ويفتح معه التفريط بمكاسب المسيحيين في السلطة. فالتاريخ لا يرحم، ومن يكرّر حماقات الأمس سيُهزم مرّتين، مرّة بالعقل، ومرّة بالوطن.