وفي منشور له على منصة "إكس"، كتب القاضي شرف الدين: "نداء إلى الشيخ عبد اللطيف دريان الممدَّد له في الإفتاء بشكل غير قانوني: قدّم استقالتك وارحل".
ويأتي هذا الموقف ردّاً على حملة الدفاع عن المفتي، ومحاولات "النفخ في العصبية السنية" لاحتواء تداعيات قضية الشيخ خلدون عريمط، عبر الترويج لنظريات المؤامرة واستحضار خطاب "المظلومية السنية".
وأشار القاضي شرف الدين، وهو عضو لجنة التنمية الوقفية ومقرّر لجنة الطعون والتأديب، إلى أنه سبق أن طالب مفتي الجمهورية بمتابعة أوضاع الموقوفين السنّة في السجون ولدى الأجهزة الأمنية، وكذلك متابعة قضايا توظيف السنّة في مؤسسات الدولة. وأضاف أنه تلقّى جواباً صادماً أمام أعضاء المجلس الشرعي، حيث قال المفتي دريان: "ما شغلتنا".
وتساءل شرف الدين في هذا السياق: «أين يكون مشروعه الإصلاحي؟»، معتبراً أن ما يُطرح عن "مخططات أميركية" أو غيرها ليس سوى ذرٍّ للرماد في العيون، قائلاً: "لا مخطّط أميركي ولا من يحزنون".
وكان القاضي شرف الدين قد توجّه في تموز 2025 برسالة إلى الرأي العام السني في لبنان، بهدف اطلاع الرأي العام على حالة دار الفتوى والمجلس الشرعي الإسلامي الأعلى، والأوقاف، ورواتب المشايخ، والموقوفين، ووظائف الدولة، وأمور الطائفة بشكل عام.
وفيما يتعلّق بوضع المؤسسات، شرح في الرسالة ما تعانيه من اهتراء وسوء إدارة وغياب للخطط التنفيذية، وكثرة اللجان على قاعدة «حركة بلا بركة».
وبالنسبة إلى الأوقاف، ذكر أن عدد العقارات يبلغ 15 ألف عقار وقفي، مساحتها ملايين الأمتار، بنسبة استثمار تبلغ 1% فقط، مع إهمال مخيف وتعديات عليها دون متابعة من المديرية العامة، إضافة إلى وجود تعديات تشمل مئات آلاف الأمتار، كما هو حاصل في العقار رقم 190/الأوزاعي، الذي تبلغ مساحته 245 ألف متر مربع لوقف الإمام الأوزاعي (أي معظم منطقة الأوزاعي). كذلك أشار إلى وجود وظائف في الأوقاف إما من دون إنتاجية أو برواتب خيالية، وعدم وجود رئيس لدائرة أوقاف صيدا والجنوب منذ عدة سنوات، مع قيام المرجعية بتكليف مفتي المنطقة (وقد تجاوز الـ80 عاماً) برئاسة الدائرة، الأمر المخالف للقانون.
وكشف عن ظلم كبير يلحق برواتب المشايخ، إذ إن مئات المشايخ يتقاضون راتباً يتراوح بين 2 و6 دولارات شهرياً، فيما يتقاضى القائمون بخدمة المساجد راتب دولار واحد شهرياً. وحجّة المرجعية لعدم رفع الرواتب في بعض الدوائر هي أن ميزانيتها لا تكفي وأنها مناطق فقيرة (كعكار وطرابلس وبعلبك مثلاً).
كما ذكر، في موضوع مراكز ووظائف أهل السنة في الدولة، أن المرجعية رفضت رفضاً قاطعاً اقتراحه بإنشاء لجنة لإحصاء ومتابعة هذه المراكز والوظائف، وكان التبرير: "ما شغلتنا"!!!
علماً أنه، وبجهد شخصي، أحصى أكثر من مئة مركز كان في يوم من الأيام من حصة الطائفة السنية وانتقل إلى الطوائف الأخرى الكريمة.
وبالنسبة إلى موضوع الموقوفين الإسلاميين، قال في رسالته: "بعد دخولي إلى المجلس الشرعي طالبت بإنشاء لجنة لمتابعة الملفات الأمنية والقضائية للموقوفين من أهل السنة (إذا كانوا مظلومين)، فكان جواب المرجعية: ما شغلتنا!!!".
وأضاف: "كذلك كنت قد طالبت في عدة مناسبات، أهمها بعد سقوط نظام الأسد وفتح معتقل صيدنايا وغيره في سوريا، أن يتم إدراج بند ملف الموقوفين الإسلاميين والعفو العام المدروس على جدول أعمال جلسات المجلس الشرعي، ومناقشة تمرّد بعض الأجهزة العسكرية والأمنية على الدولة ورفضها إنفاذ قرار مجلس الوزراء بإلغاء وثائق الاتصال وبلاغات الإخضاع وغيرها من التدابير (بحق شباب أهل السنة وغيرهم من الطوائف الكريمة) غير الصادرة عن السلطة القضائية، وصدور تعاميم من النيابات العامة التمييزية بهذا الخصوص، وقرارات ذات صلة عن رئاسة الحكومة في عهد الرؤساء تمام سلام ونجيب ميقاتي وحتى نواف سلام، ولكن دون جدوى لغاية تاريخه. إلا أن المرجعية رفضت طلبي بمناقشة هذه المواضيع رفضاً قاطعاً، كما رفضت القيام بأي مساعٍ أو أنشطة للجنة متابعة ملف العفو العام التي أرأسها".
واعتبر أن "هذا غيض من فيض، وما خفي أعظم»، مشيراً إلى أنه نصح في السر والعلن المرجعية (التي يُجلّها ويحترمها) بضرورة إنشاء اللجان المذكورة أعلاه، وعدم التمديد لمدير عام الأوقاف للأسباب المشار إليها آنفاً، وضرورة تعيين مدير جديد ذي اختصاص، وعدم تمديد تكليف مفتي صيدا والجنوب برئاسة دائرة الأوقاف."
وأعلن، في نهاية رسالته، مقاطعته جلسات المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى مع انقضاء نصف ولايته، وذلك إلى حين إدخال إصلاحات جذرية، معتبراً أن المجلس، منذ سنوات طويلة، بات "جسداً بلا روح واسماً على غير مسمّى".
وجاءت اليوم قضية "أبو عمر" لتكون القشّة التي قصمت ظهر البعير، مؤكِّدةً بما لا يقبل الشك أنّ التحذيرات التي وجّهها القاضي شرف الدين كانت في مكانها.