"ليبانون ديبايت" - محمد المدني
لم يكن استهداف منزل الشهيد شرحبيل السيد في بلدة المنارة خطأً استخباراتيًا ولا ضربة ناقصة العنوان، بل كان فعلًا محسوبًا بدقة، في التوقيت والمكان والدلالة.
فالشهيد قُتل سابقًا، والمنزل فارغ من أي وظيفة عسكرية، ومع ذلك عاد ليصبح هدفًا، لماذا؟ لأن إسرائيل لم تعد تقصف الأجساد فقط، بل تقصف المعنى، وتلاحق الرمزية وتستثمر في الخوف طويل الأمد.
الرسالة اليوم أبعد من جنوبٍ وبقاعٍ وضاحية، الرسالة تقول بوضوح أن لا مناطق محيّدة ولا طوائف خارج النار ولا أحد يستطيع الادعاء بأنه خارج دائرة العقاب. الطائفة السنية ليست خارج المشهد والمسيحيون ليسوا خارج الحساب، والبقاع ليس هامشًا. فالجميع مدعوون إلى الإحساس بالخطر ذاته، وبالثمن ذاته.
هذه ليست حرب صواريخ فقط، بل حرب وعي. إسرائيل انتقلت من منطق ضرب الخصم إلى منطق إنهاك المجتمع، ومن محاولة ردع السلاح إلى محاولة تفجير الداخل. هي لا تراهن على تفوقها العسكري وحسب، بل على سؤال يُزرع في عقول الناس، لماذا ندفع نحن الثمن؟ ومن قرر عنا؟ ولماذا تصبح بيوتنا رهينة خيارات لم نكن شركاء فيها؟
هنا بالضبط يتقاطع استهداف هذا المنزل مع الهدف الأوسع، وهو تحميل حزب الله وحماس كلفة سياسية وشعبية عابرة للبيئات الحاضنة، وخلق نقمة صامتة تتراكم داخل كل بيت يشعر أن النار اقتربت منه من دون أن يحمل سلاحًا أو يشارك في قرار. هذا تحريض غير معلن، لكنه الأخطر، لأنه لا يُقال في الإعلام بل يُزرع في الخوف اليومي.
التوقيت أيضًا ليس تفصيلًا. نحن في مرحلة تفاوض إقليمي، وضغوط دولية، ومحاولات رسم خطوط ما بعد الحرب. إسرائيل تريد أن تدخل أي تسوية وهي ممسكة بورقة التعب الاجتماعي. كلما اتسعت دائرة الألم، صار الضغط على الداخل أكبر، وصار القبول بأي هدنة، بأي شرط، أكثر إغراءً.
استهداف منزل شهيد بعد استشهاده ليس ردعًا، بل استباحة. ليس رسالة عسكرية، بل تهديد وجودي لفكرة الأمان نفسها. هو إعلان بأن لا فرق بين جبهة وخلفية، ولا بين مقاتل ومدني، ولا بين طائفة وأخرى. الجميع في مرمى النار والجميع مدعوون للدفع.
وهنا الخطر الحقيقي، حين تنجح إسرائيل في تحويل العدوان الخارجي إلى نقاش داخلي، وفي نقل الغضب من جهة الاعتداء إلى جهة الضحية، تكون قد حققت أخطر أهدافها من دون أن تطلق سوى إنذار.
المطلوب اليوم ليس تبريرًا ولا تهوينًا ولا مزايدة، بل وعي سياسي أن ما يجري ليس دفاعًا ولا ردًا، بل محاولة كسر مجتمع كامل عبر تعميم الخوف. ومن لا يفهم الرسالة اليوم، سيصحو غدًا ليكتشف أن النار لم تطرق بابه صدفة، بل سياسة.