"ليبانون ديبايت" - محمد علوش
يكثر الحديث في الآونة الأخيرة عن مبادرة مصرية لحلّ الأزمة في لبنان، غير أن مصادر سياسية مطّلعة تؤكد أن كثيراً مما يتم تداوله حول هذه المبادرة، وحول طبيعة العلاقة بين مصر و”حزب الله”، يحتاج إلى تدقيق جدي. فالمتداول عن “المبادرة المصرية” يتطلب تفكيكاً هادئاً، في ظل خلط متعمّد بين مستويات الطرح، يوحي وكأن ما يجري هو مبادرة واحدة متكاملة، بينما الواقع مختلف تماماً.
في هذا السياق، تكشف المصادر عبر “ليبانون ديبايت” عن فارق جوهري بين ما نُقل عن أفكار طرحها رئيس الاستخبارات العامة المصرية اللواء حسن رشاد، في إطار جسّ نبض، وبين ما عاد به لاحقاً وزير الخارجية المصري إلى بيروت، حاملاً تصوراً أشد التصاقاً بالشروط الإسرائيلية. والمفارقة، بحسب المصادر، أن الطرح الثاني كان أسوأ من الأول وأبعد عن أي إمكانية واقعية للقبول به.
وتشير المصادر إلى أن جوهر الأفكار التي حملها وزير الخارجية المصري يقوم على مقايضة غير متوازنة من مرحلتين: الأولى تقضي بتسليم السلاح في جنوب الليطاني، وشمال الليطاني باتجاه جنوب نهر الأولي، مع تجميد باقي السلاح مؤقتاً، مقابل وقف الاعتداءات الإسرائيلية وتحرير عدد محدود من الأسرى، قيل إنهم 11 أسيراً في المرحلة الأولى. بعد ذلك، تُفتح مرحلة ثانية أكثر خطورة، تقوم على تفاوض مباشر أو غير مباشر بين لبنان وإسرائيل في القاهرة، عنوانه استكمال تسليم السلاح في باقي المناطق، مقابل انسحاب إسرائيلي وتحرير 9 أسرى إضافيين.
هذه الأفكار، بحسب المصادر، لم تلقَ قبولاً لدى “حزب الله”، لا من باب التعنّت ولا من باب الرفض المبدئي لأي دور مصري، بل لأنها تتجاوز بأشواط قرار وقف إطلاق النار نفسه. فالمبدأ الذي يحكم مقاربة الحزب، ومعه شريحة واسعة من المعنيين بالملف اللبناني، هو أن أي تجاوز لهذا القرار يعني عملياً إسقاطه، وبالتالي إسقاط القرار 1701 أيضاً. وعند هذه النقطة، لا يعود لبنان في إطار تثبيت وقف النار أو تحسين شروطه، بل يدخل في مرحلة تفاوضية جديدة بالكامل، على اتفاق مبهم المعالم، مفتوح على كل الاحتمالات السلبية، في ظل ميزان قوى مختلّ أصلاً.
الأخطر، وفق المصادر، أن هذه الطروحات تفترض، ضمناً أو صراحة، تفاوضاً تحت النار، أي استمرار الضغط العسكري الإسرائيلي أو التهديد به كأداة لفرض الشروط. وهو مبدأ مرفوض، لأن التفاوض في ظل النار لا يُعد تفاوضاً بين طرفين، بل إملاءً من طرف يملك القوة على طرف يُراد له أن يتنازل تحت الضغط. وتجربة لبنان، كما تجارب المنطقة، تؤكد أن هذا المسار لا ينتج استقراراً، بل يؤسس لجولات جديدة من الصراع.
في موازاة ذلك، جرى الترويج لروايات عن زيارات قام بها الحزب إلى القاهرة، في إيحاء بوجود مسار تفاوضي سري أو انخراط مباشر في هذه المبادرة. إلا أن المصادر تؤكد أن الحزب لم يزر مصر أساساً، وأن زياراته الخارجية الأخيرة اقتصرت على زيارة إلى تركيا قبيل المؤتمر المتعلق بالقدس، الذي شارك فيه عمار الموسوي، وكان أبرز ما طُرح خلالها مرتبطاً بالملف السوري وتداعياته الإقليمية، وسبل الوصول إلى تطمينات متبادلة بين الحزب والسوريين. كما جرت زيارة إلى الدوحة في إطار تبادل الآراء حول تطورات المنطقة، واحتمال أن تلعب قطر دوراً في المرحلة المقبلة، لا سيما في ظل تكثيف تنسيقها مع السعودية في ما يخص الملف اللبناني.
أما التواصل مع الجانب المصري، فتؤكد المصادر أن أبرز محطاته تمثّل بلقاء عُقد في بيروت بين رئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد والسفير المصري في لبنان.
وبناءً على ما تقدّم، تبدو “المبادرة المصرية”، كما يُسوَّق لها إعلامياً، أقرب إلى سلة أفكار غير ناضجة أو محاولة لملء فراغ سياسي. علماً أن التواصل بين “حزب الله” والمصريين لم ينقطع، إلا أن ظروف نجاح أي مبادرة لا تزال غير متوافرة، في ظل التعنّت الإسرائيلي والدعم الأميركي المفتوح للموقف الإسرائيلي.