المحلية

ليبانون ديبايت
الجمعة 09 كانون الثاني 2026 - 11:17 ليبانون ديبايت
ليبانون ديبايت

ملفٌ يهز الطيران المدني... من يحاول كسر قرار وقف “Beirut Wings” ولماذا؟

ملفٌ يهز الطيران المدني... من يحاول كسر قرار وقف “Beirut Wings” ولماذا؟

“ليبانون ديبايت”


لا يعود ملف شركة “Beirut Wings” مجرد إشكال إداري عابر أو خلاف تقني حول إجراءات تنظيمية، بل يتبدّى، وفق الوقائع الرسمية الموثقة في تقرير المديرية العامة للطيران المدني، كواحد من أخطر ملفات الإخلال بقواعد السلامة الجوية التي شهدها قطاع الطيران المدني في لبنان خلال السنوات الأخيرة، وسط تساؤلات متراكمة حول حجم التراكمات، وأسباب السكوت الطويل، وحدود المسؤوليات الإدارية والسياسية.

فالتقرير الصادر عن لجنة إدارية وفنية مختصة، مؤلفة بقرار رسمي عن المديرية العامة للطيران المدني، لا يترك مجالاً واسعاً للتأويل. إذ يثبت، وبالوقائع التفصيلية، وجود سلسلة مترابطة من المخالفات التي طالت صلب عمل الشركة، من صلاحية الطائرات، إلى تنظيمها الإداري، مروراً بالتدريب النظري والعملي، وصولاً إلى طبيعة العقود التي أبرمتها مع جهات غير مرخصة.


وفي أخطر ما ورد، يبيّن التقرير وجود تباين كبير وغير مبرر في ساعات الطيران المسجلة بين دفاتر الطيارين (Pilot Logbook)، وساعات المدربين والفاحصين، وتلك المثبتة في برامج المراقبة الرسمية، ما يشير إلى خلل بنيوي في توثيق ساعات الطيران الفعلية للطائرات المستخدمة في التدريب. هذا الخلل، وفق نص التقرير، لا يقتصر على الجانب الورقي أو الإداري، بل ينعكس مباشرة على سلامة الطائرات نفسها، وعلى مدى أهليتها الفنية للاستعمال، في قطاع لا يحتمل أي هامش للمخاطرة أو الاجتهاد.


ولا يقل خطورة عن ذلك ما كشفه التقرير في باب تنظيم الشركة، حيث تبيّن وجود مخالفات متراكمة تعود لسنوات، شملت عدم احترام التسلسل الإداري، وتجاوزات قام بها المدير المسؤول (Accountable Manager) بحق مدربين وطلاب، إضافة إلى ملاحظات جوهرية على كفاءة مسؤول الجودة، واستقالة رئيس المدربين نتيجة تدخلات إدارية مباشرة في القرارات الفنية. كل ذلك يرسم صورة شركة تعاني خللاً عميقاً في الحوكمة الداخلية، وتدار بعقلية تتناقض مع أبسط معايير السلامة المعتمدة دولياً في قطاع الطيران.


أما في ملف التدريب، فيذهب التقرير أبعد من مجرد تسجيل ملاحظات، ليشير صراحة إلى وجود تلاعب في ساعات الطيران الخاصة بالمدربين والطلاب، ما يضع علامات استفهام خطيرة حول كفاءة بعض المدربين، وحول أهلية الشهادات التي يحصل عليها الطلاب، سواء لاستخدامها داخل لبنان أو خارجه. وفي قطاع يرتبط مباشرة بحياة البشر، لا يمكن التعامل مع هذه الوقائع كأخطاء تقنية قابلة للتسوية، بل كمسألة سلامة عامة من الدرجة الأولى.


ويزداد المشهد تعقيداً مع ما أورده التقرير لجهة التزامات الشركة والعقود الموقعة، إذ ثبت وجود عقود بالباطن مع جهات تدريب نظري غير مرخصة من قبل المديرية العامة للطيران المدني، في مخالفة واضحة لشروط شهادة التدريب الجوي (FTOC). وهذه النقطة تحديداً تطرح سؤالاً مباشراً: كيف استمر هذا النمط من العمل، ومن كان يفترض به مراقبته، ولم يفعل؟


أمام هذا الواقع، جاءت توصيات اللجنة حاسمة وغير قابلة للتجزئة، بدءاً من الطلب إلى شركة صيانة مستقلة (CAMO) لتقييم صلاحية الطائرات، مروراً باستبدال المدير المسؤول، وتعيين مسؤول جودة مؤهل، ورئيس للمدربين، وتعديل السجل التجاري، وإعادة تقييم شامل للمدربين، وصولاً إلى تعليق كامل لعمليات الشركة إلى حين تنفيذ التوصيات الأساسية وتقديم خارطة طريق واضحة. وهي توصيات لا يمكن فصلها عن حجم المخالفات المثبتة، ولا عن طبيعة المخاطر التي خلصت إليها اللجنة.


لكن السؤال الأبرز الذي يفرض نفسه يتجاوز مضمون التقرير نفسه، ليطال ما قبله: كيف أمكن لشركة تعمل منذ عام 2007، وتجدد شهادتها مرات عدة، أن تراكم كل هذه المخالفات من دون معالجة جذرية؟ ولماذا لم تُلتقط هذه المؤشرات في وقت أبكر؟ وأين كانت الجهات الرقابية المعنية طوال السنوات الماضية، خصوصاً أن التقرير يشير بوضوح إلى أن بعض المخالفات ليست طارئة، بل ممتدة زمنياً؟


هنا، تلتقي الوقائع التقنية مع الأسئلة السياسية والإدارية. فقرار وقف الشركة، الذي اتُّخذ بعد تدخل مباشر من وزير الأشغال العامة والنقل فايز رسامني، شكّل خطوة حاسمة وضعت حداً لمسار بالغ الخطورة، وأعاد التأكيد أن السلامة الجوية ليست ملفاً قابلاً للتسويات أو التأجيل.


وفي هذا الإطار، لا يمكن إلا الإشادة بالدور المحوري الذي لعبته المديرية العامة لأمن الدولة، التي تعاملت مع هذا الملف من زاوية أمنية–وقائية مسؤولة، وعملت على متابعته بدقة عالية وجدية لافتة، بعيداً عن الضغوط والتدخلات. فقد شكّل عمل أمن الدولة ركيزة أساسية في كشف الوقائع، وجمع المعطيات، ووضع الملف في مساره الصحيح، بما يحمي السلامة الجوية ويصون الأمن الوطني. هذا الأداء يعكس دوراً أمنياً متقدماً لا يقتصر على ردّ الفعل، بل يقوم على الاستباق ومنع المخاطر قبل وقوعها.


غير أن الأخطر من المخالفات نفسها هو ما تشير إليه معطيات موثوقة عن وجود محاولات حثيثة لتغطية هذه الوقائع أو التخفيف من حجمها، وصولاً إلى السعي لإعادة فتح الشركة، وكأن التقرير الرسمي لم يكن. وفي هذا السياق، تفيد معلومات “ليبانون ديبايت” بأن المدير العام للطيران المدني أمين جابر يبذل جهوداً مكثفة لإعادة تعويم شركة “Beirut Wings”، في خطوة تثير تساؤلات جدية حول احترام مضمون التقرير وتوصياته، ولا سيما أن اللجنة أوصت صراحة بتعليق النشاط إلى حين تنفيذ شروط صارمة وغير قابلة للتجزئة.


ولا تقف محاولات الالتفاف عند هذا الحد، إذ تشير مصادر متابعة إلى أن محمد عزيز، رئيس الهيئة الناظمة للطيران المدني، دخل بدوره على خط الضغوط الرامية إلى إعادة فتح الشركة، ما يطرح سؤالاً مباشراً حول دور الهيئة الناظمة وحدود مسؤوليتها: هل هي جهة رقابية يفترض أن تشكّل خط الدفاع الأول عن السلامة الجوية، أم جهة تسهم، عن قصد أو عن إهمال، في تمييع المخالفات والتخفيف من آثارها؟


وفي موازاة ذلك، لا يمكن القفز فوق المسؤولية المباشرة لرئيس مجلس إدارة شركة “Beirut Wings” علي مهنا وأعضاء مجلس الإدارة، وبالتحديد جافد أخطر ومحمد دعبول، الذين يتحملون، بالأسماء والصفات، المسؤولية القانونية والإدارية الكاملة عمّا ورد في التقرير. فالمخالفات المثبتة، من تلاعب بساعات الطيران، إلى خلل في السجلات الرسمية، إلى عقود تدريب مع جهات غير مرخصة، لم تحصل خارج إطار إدارة الشركة ولا بمعزل عن قرارات مجلس إدارتها. ومحاولة اختزال هذه الوقائع في إطار “أخطاء تقنية” تشكّل تهرّباً واضحاً من جوهر المشكلة.


وفي السياق نفسه، تبرز مسؤولية عمر قدوحة، المدير العام السابق لسلامة الطيران المدني، الذي تشير المعطيات إلى أنه وفّر غطاءً مباشراً لاستمرار عمل شركة “Beirut Wings” رغم المخالفات الجسيمة التي كانت موثقة ومتراكمة خلال فترة توليه المسؤولية. فالتقصير في اتخاذ الإجراءات اللازمة، أو غضّ النظر عن وقائع خطيرة تتعلق بسلامة الطيران، لا يمكن تصنيفه كخطأ إداري عابر، بل يضع صاحبه في موقع المسؤولية المباشرة عن السماح باستمرار هذه المخالفات لسنوات، وما ترتب عليها من مخاطر جسيمة.


ولا يمكن عزل هذا الملف عن التساؤلات الأوسع التي أُثيرت حول خلفيات أمنية محتملة لنشاط الشركة، وهي مسائل تخضع، بحسب المعطيات، لتحقيقات منفصلة لدى الجهات المختصة. ورغم أن التقرير الإداري لا يخوض في هذه الجوانب، إلا أن تراكم المخالفات التقنية والإدارية مع هذه الشبهات يضاعف من حساسية الملف، ويجعل أي تساهل أو التفاف أمراً غير مبرر على الإطلاق.


في الخلاصة، ما كشفه تقرير المديرية العامة للطيران المدني عن شركة “Beirut Wings” لا يمكن التعامل معه كحادثة معزولة، بل كجرس إنذار مدوٍّ حول واقع الرقابة في أحد أخطر القطاعات السيادية. فالسلامة الجوية ليست مجالاً للمساومة، ولا تحتمل منطق “المعالجة اللاحقة”. وأي محاولة لكسر قرار وقف الشركة أو تفريغه من مضمونه تشكّل تهديداً مباشراً لسلامة الطيران ولثقة اللبنانيين بمؤسسات الدولة.


اليوم، المعركة لم تعد تقنية ولا إدارية فقط، بل باتت معركة بين من يريد فرض منطق المحاسبة والالتزام الصارم بالمعايير الدولية، ومن يحاول إبقاء باب الاستثناء مفتوحاً. وفي قطاع كقطاع الطيران المدني، أي استثناء هو مجازفة غير مقبولة، وأي تراجع سيكون مسؤولية كاملة على من حاول وغطّى وضغط لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء.

تــابــــع كــل الأخــبـــــار.

إشترك بقناتنا على واتساب

WhatsApp

علـى مـدار الساعـة

arrowالـــمــــزيــــــــــد

الأكثر قراءة