"ليبانون ديبايت"
أثار القرار الصادر عن ديوان المحاسبة في ملف وزراء الاتصالات موجة واسعة من النقاش السياسي والقانوني، ليس فقط بسبب ضخامة الغرامات المالية التي تجاوزت 35 مليون دولار، بل أيضاً بسبب طبيعة القرار وحدوده القانونية وتوقيته. وبينما جرى تقديم الحكم على أنه خطوة نوعية في مسار استرداد المال العام، يبرز في المقابل نقاش جدي حول ما إذا كان القرار يندرج فعلاً في إطار المحاسبة الإدارية السليمة، أم أنه يشكّل انزلاقاً قانونياً يفتقر إلى الضمانات الأساسية ويخلط بين مفهومي “الهدر” و”الفساد”.
بدايةً، لا بد من التذكير بأن الملف، وفق طبيعته القانونية، إداري بحت وليس جزائياً. ديوان المحاسبة هو محكمة إدارية مالية، مهمتها مراقبة كيفية استعمال المال العام ومدى التزام الإنفاق بالقوانين والأنظمة، وليس محكمة جزائية مختصة بجرائم الفساد مثل الاختلاس أو الإثراء غير المشروع. في هذا السياق، لم يتضمن القرار أي اتهام بتحقيق منفعة شخصية أو تحويل أموال عامة إلى حسابات خاصة، بل ركّز على ما اعتبره “هدر أموال عامة” ناتجاً عن سوء إدارة أو قرارات إدارية خاطئة. الخلط المتعمد أو غير المتعمد بين الهدر والفساد يؤدي إلى تضليل الرأي العام، ويمنح القرار بعداً أخلاقياً وسياسياً لا يعكس بدقة مضمونه القانوني.
الإشكالية الثانية تتصل بالانتقائية في المقاربة. فالحكم شمل وزراء من مراحل مختلفة، إلا أن التفاوت في المعاملة بينهم يثير تساؤلات مشروعة.
إلى ذلك، يشكّل الحكم سابقة خطيرة لناحية تحميل وزراء سابقين مسؤوليات مالية شخصية بمبالغ ضخمة في قضايا تتعلق بسوء إدارة لا بفساد مثبت. فمتى أصبحت الأخطاء الإدارية، أو الاجتهادات الخاطئة، سبباً لمطالبة المسؤول العام بدفع ملايين الدولارات من ماله الخاص بعد مرور عشرات السنين؟ هذا المنطق يهدد فكرة تولي الشأن العام نفسها، إذ يجعل أي وزير أو مسؤول عرضة لمخاطر مالية شخصية غير قابلة للتحمّل، بناءً على اجتهادات لاحقة أو تغيّر في المعايير. المحاسبة ضرورية، لكن تحويلها إلى عقوبة تعجيزية يفرغها من معناها ويؤدي عملياً إلى عزوف أصحاب الكفاءة عن تولي المسؤولية.
كما يبرز إشكال أساسي في مسألة ضمانات المحاكمة العادلة. فالاعتراض لا يقتصر على النتائج، بل يشمل المنهجية المعتمدة. هل جرى الاستماع الكافي إلى إفادات المعنيين؟ هل تم التدقيق الشامل في الوقائع الميدانية وسلسلة القرارات الإدارية المتعاقبة؟ وهل أُخذ في الاعتبار السياق الكامل الذي اتُخذت فيه هذه القرارات؟ في قضايا بهذا الحجم، لا يمكن الاكتفاء بتقارير خبرة أو استنتاجات مكتوبة من دون مواجهة شاملة للوقائع، خصوصاً عندما تترتب عليها التزامات مالية كبرى.
وفي ما يتعلق بمرور الزمن، يطرح القرار إشكالية قانونية إضافية. فالقضايا موضوع الحكم كانت معروفة ومتداولة في الإعلام منذ أكثر من عشر سنوات، ما يضعف فكرة اعتبارها “جرائم خفية” لتجاوز مرور الزمن. استخدام هذا المفهوم خارج شروطه القانونية يقوّض مبدأ استقرار الأوضاع القانونية، ويفتح الباب أمام إعادة فتح ملفات قديمة بشكل انتقائي، وهو أمر خطير في دولة تعاني أصلاً من اهتزاز الثقة بالقضاء.
أما في جوهر الملف، وتحديداً في ما يتعلق بقطاع الخليوي، فلا يمكن تجاهل خصوصية الإطار القانوني الذي أُنشئت بموجبه شركتا الخليوي منذ عام 2004. فقد اعتمدت الدولة آنذاك نظام العقود الائتمانية (Fiducie) لفصل إدارة الشركتين عن قيود قانون المحاسبة العمومية، بهدف تمكينهما من مواكبة التطور التكنولوجي السريع. هذا النظام لم يكن قراراً فردياً لوزير بعينه، بل خياراً أقرّه مجلس الوزراء واستمر العمل به لسنوات طويلة، رغم اعتراض ديوان المحاسبة نفسه في مراحل سابقة. تحميل وزير مسؤولية مسار إداري وتنظيمي أُقرّ على مستوى الدولة يفتقر إلى العدالة، ويغفل السياق الذي حكم عمل القطاع.
وينسحب الأمر نفسه على مسألة المناقصات في عقود الإيجار. فالقرار ينتقد عدم إجراء مناقصات في حين أن القانون الذي أوجب المناقصات في إيجارات القطاع العام لم يصدر إلا عام 2021. محاسبة وزير على مخالفة قاعدة لم تكن موجودة وقت اتخاذ القرار الإداري تشكّل تطبيقاً بأثر رجعي لمعيار قانوني، وهو ما يتعارض مع أبسط مبادئ العدالة القانونية.
وتزداد علامات الاستفهام مع التناقض في تقدير “سوء النية”. فبينما أُعفي بعض الوزراء أو أوقفت العقوبة بحقهم بحجة حسن النية، اعتُبرت نية وزراء آخرين سيئة من دون قرائن واضحة أو أدلة مباشرة. عنصر النية في المسؤولية الإدارية يجب أن يُبنى على وقائع ثابتة لا على استنتاجات عامة، وإلا تحوّل إلى أداة انتقائية في يد الجهة التي تصدر الحكم.
كذلك، يثير القرار تساؤلات حول حدود صلاحية ديوان المحاسبة، ولا سيما في ما يتعلق بإدانة شركات خاصة أو تحميلها تعويضات، رغم أنها لا تقع مباشرة ضمن نطاق رقابته. توسّع الديوان في تفسير صلاحياته قد يؤدي إلى تداخل خطير مع اختصاص القضاء العدلي، ويخلق إرباكاً في النظام القضائي ككل.
في الخلاصة، لا يتعلق النقاش برفض مبدأ المحاسبة أو الدفاع عن الهدر، بل بالدفاع عن محاسبة عادلة ومتوازنة، تحترم السياق القانوني والزمني، وتلتزم وحدة المعايير، وتؤمّن الحد الأدنى من الضمانات. فالقرار، بصيغته الحالية، يفتح الباب أمام سابقة قد تُستخدم لاحقاً بطريقة انتقائية، وتحوّل الرقابة المالية من أداة إصلاح إلى عامل تهديد للاستقرار الإداري والسياسي. من هنا، تبدو مرحلة الطعن أمام مجلس شورى الدولة مفصلية، ليس فقط لمصير هذا الملف، بل لتحديد حدود المحاسبة المالية في النظام اللبناني برمّته.