المحلية

ليبانون ديبايت
السبت 10 كانون الثاني 2026 - 10:06 ليبانون ديبايت
ليبانون ديبايت

النجمة اليهودية – والجميلة اللبنانية: الصراع على "أصعب وظيفة في العالم"

النجمة اليهودية – والجميلة اللبنانية: الصراع على "أصعب وظيفة في العالم"

ترجمة "ليبانون ديبايت"


هل ما تزال الأمم المتحدة قادرة على أن تكون “مرجعية العالم” كما أرادها مؤسسوها؟ أم أنها تدخل مرحلة “البقاء” في ظل حرب نفوذ مفتوحة، وأزمة مالية خانقة، وتصدّع في الشرعية، وتحوّل مجلس الأمن إلى ساحة فيتوهات بدل أن يكون غرفة حلّ الأزمات؟ هذا السؤال يطلّ من قلب نيويورك مع انطلاق سباق اختيار الأمين العام التاسع للأمم المتحدة، الذي سيخلف أنطونيو غوتيريش مع انتهاء ولايته في 31 كانون الأول 2026، في معركة يصفها كثيرون بأنها معركة على منصب… وعلى مؤسسة في آن واحد.


بحسب تقرير كتبه دانيال أدلسون من نيويورك ونشره موقع ynet الإسرائيلي، فإن “الوظيفة الأصعب في العالم” تبدو هذه المرة أصعب من أي وقت مضى: المنظمة منهكة ماليًا، متراجعة سياسيًا، محاصرة بالاستقطاب الدولي، ومطلوب منها أن تنفذ إصلاحات جذرية فيما مفاتيح القرار الفعلي ليست في مبنى الزجاج على ضفاف إيست ريفر، بل في العواصم الكبرى، وعلى رأسها واشنطن.


التقرير يتوقف عند عمق الأزمة المالية داخل الأمم المتحدة: دول عديدة تؤخر دفع مساهماتها أو تستخدمها كرافعة ضغط سياسي، فيما يؤثر العجز على تفاصيل تشغيلية يومية، من التأخر في دفع رواتب إلى تقليص خدمات داخل المقر. وفي تقديرات متداولة داخل المنظمة، قد تواجه الأمم المتحدة تراجعًا حادًا في السيولة خلال المرحلة المقبلة، ما يجعل من “إنقاذ الإدارة” بندًا أول في حقيبة أي أمين عام جديد، قبل الحديث عن غزة أو أوكرانيا أو المناخ.


لكن المال ليس وحده عنوان المعركة. السياسة هنا هي الأساس. عملية الاختيار، رغم جلسات الاستماع العلنية في الجمعية العامة، ورغم جولات “التصويت الاستطلاعي” غير الرسمي (Straw Polls، أي اقتراع تجريبي لقياس اتجاهات الدعم)، تبقى في النهاية رهينة مجلس الأمن. هناك، تملك الدول الخمس الدائمة العضوية (الولايات المتحدة وروسيا والصين وبريطانيا وفرنسا) حق النقض “الفيتو” القادر على إسقاط أي اسم، أحيانًا قبل أن يصل رسميًا إلى الواجهة. والقرار النهائي، كما ينقل التقرير، لن يحسم قبل الربع الأخير من عام 2026.


وفي قلب هذه المعادلة، يبرز اسم دونالد ترامب كظل ثقيل على السباق، وفق ما يورد التقرير، ليس فقط لأن واشنطن ممول أساسي ومؤثر سياسيًا، بل لأن أي أمين عام سيحتاج عمليًا إلى علاقة قابلة للعمل مع البيت الأبيض كي لا تنزلق المنظمة إلى دوامة إضافية من التقليصات والمواجهات وتعطيل المبادرات. وبحسب التقرير، فإن مرشحين بدأوا بالفعل “مغازلة” واشنطن سياسيًا، عبر رسائل تعِد بالإصلاح والفعالية و”عائد مقابل الاستثمار”، بدل الاكتفاء بلغة البيانات الموسمية.


وعلى وقع هذا المشهد، يتقدم عنوان آخر: هل حان وقت أول امرأة تتولى الأمانة العامة؟ التقرير يشير إلى مزاج دولي واسع يدفع بهذا الاتجاه، بعدما فشل الأمر في سباقات سابقة، خصوصًا في عام 2016 حين تقدمت 13 امرأة، قبل أن ينتهي المشهد بتسوية أخرجت غوتيريش في اللحظة الأخيرة كحل وسط.


اللافت، كما ينقل تقرير ynet، هو دخول “إسرائيل” – ولو بصورة غير مباشرة – إلى الحسابات. ليس عبر الأصوات في القاعة، بل عبر تأثيرها على عواصم تمتلك القرار الحقيقي. ويزعم التقرير أن وزن “إسرائيل” هنا يأتي من “أثر الدومينو” على واشنطن ولندن وباريس، وأن بعض المرشحين أرسلوا رسائل أو موفدين إلى السفير الإسرائيلي في الأمم المتحدة داني دانون، ضمن محاولة مبكرة لفهم اتجاه الرياح الأميركية من بوابة حليفها الأقرب في المنطقة.


أما الأسماء المطروحة، فتبدو خليطًا بين “مرشحات” تمثل فكرة التغيير الرمزي بكسر السقف الزجاجي، ومرشحين يتقدمون بخبرة “الأزمات القاسية”، وبينهما طيف واسع من “حلول التسوية” إذا اصطدمت القاعة بجدار الفيتو.


من أبرز الأسماء التي يعرضها التقرير: ربيكا غرِينسبان من كوستاريكا، التي يصفها التقرير بأنها قد تكون أول أمينة عامة يهودية. غرِينسبان اقتصادية ودبلوماسية مخضرمة، وتشغل حاليًا منصب الأمينة العامة لـ UNCTAD (مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، وهو جهاز أممي معني بالتجارة والاستثمار والاقتصاد العالمي). وفي سرد التقرير، تُطرح خلفيتها وعلاقاتها كعامل مزدوج: تمنحها نقاطًا في عواصم، وقد تضعفها في عواصم أخرى، خصوصًا أن تقارير صادرة عن UNCTAD خلال السنوات الأخيرة اتخذت لهجة نقدية حادة تجاه السياسات الإسرائيلية في غزة والضفة.


على الضفة المقابلة في علاقة “الرضى الإسرائيلي”، يضع التقرير اسم ميشيل باشيليت، الرئيسة السابقة لتشيلي، وهي طبيبة اختصاصية سابقة وشغلت أيضًا منصب المفوضة السامية لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة (أعلى منصب أممي معني بملف حقوق الإنسان عالميًا) وكانت قبل ذلك رئيسة هيئة الأمم المتحدة للمرأة UN Women (وكالة أممية تُعنى بحقوق النساء والمساواة). التقرير يقدّم باشيليت كمرشحة “صدامية” بالنسبة لخصومها: خبرة قوية ورمزية عالية، لكن سجلها الحقوقي قد يستفز دولًا كبرى ويجعلها عرضة لفيتو مبكر، إضافة إلى حساسيات سياسية بسبب مواقفها السابقة في ملفات دولية شائكة.


وفي خانة “مرشح الأزمة النووية”، يبرز رافائيل غروسي، الدبلوماسي الأرجنتيني الذي يقود الوكالة الدولية للطاقة الذرية IAEA (الهيئة الدولية المسؤولة عن الرقابة والتفتيش على الأنشطة النووية). التقرير يصفه بأنه رجل “الملفات التي لا تُحل بعروض PowerPoint”، ويشير إلى أنه بات وجهًا ملازمًا لأزمات مثل الملف النووي الإيراني ومحطات الطاقة النووية المتأثرة بحرب أوكرانيا، كما يتحدث عن توتر العلاقة بينه وبين طهران واتهامه هناك بأنه قريب من “إسرائيل”، وصولًا إلى الحديث عن تهديدات أمنية استدعت تشديد حراسته.


وفي سياق الأسماء النسائية التي تتحدث بلغة “الإصلاح البنيوي”، يورد التقرير اسم ماريا فرنندا إسبينوزا من الإكوادور. هي شغلت منصب رئيسة الجمعية العامة للأمم المتحدة بين 2018 و2019 (منصب يُنتخب سنويًا لإدارة أعمال الجمعية العامة ووضع جدول أعمالها)، كما تولت سابقًا حقائب الخارجية والدفاع في بلدها. وتعرض نفسها، وفق التقرير، كمن تريد تقليص البيروقراطية وتحويل الأمم المتحدة إلى مؤسسة أكثر رشاقة وفاعلية، “تمنع النزاعات بدل أن تكتفي بإدارتها بعد انفجارها”.


كما يبرز اسم أمينة محمد من نيجيريا، نائبة الأمين العام الحالية، وهي أعلى منصب تنفيذي بعد الأمين العام. يصفها التقرير بأنها خبيرة في ملفات التنمية المستدامة والمناخ، لكنها قد تدفع “ثمن” ارتباطها بإدارة غوتيريش في لحظة يريد فيها كثيرون “إعادة تشغيل” المنظمة. ويتوقف التقرير عند مواقفها خلال حرب غزة، لا سيما دفاعها عن الأونروا UNRWA (وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين)، وتقديمها مواقف اعتبرتها “إسرائيل” منحازة.


أما الاسم الأكثر شعبية في الغرب، فهو جاسيندا أرديرن، رئيسة وزراء نيوزيلندا السابقة، التي تحولت إلى أيقونة تقدمية عالمية قبل أن تغادر منصبها. التقرير يقول إن أرديرن، إن دخلت السباق، ستكون من الأصغر سنًا، لكن خبرتها في الدبلوماسية متعددة الأطراف أقل من منافساتها ومنافسيها، وقد تُنظر إليها في بكين وموسكو كامتداد للغرب، فيما تحفظ واشنطن عليها بعض مواقفها السابقة. ويضيف التقرير أن اسمها يُطرح أكثر في الإعلام منه في غرف القرار… لكن زمن الصورة والكاريزما قد يفرض نفسه في مرحلة “أزمة شرعية” تعيشها الأمم المتحدة.


وفي خانة “مرشح/ة التسوية”، يذكر التقرير أليسيا بارسينا من المكسيك، التي توصف بأنها شخصية خبرت مؤسسات الأمم المتحدة وتدرجت في مواقع دولية متعددة، وقد تصبح خيارًا إذا انسدت الطرق أمام الأسماء الاستقطابية.


كما يطرح التقرير ميا موتلي، رئيسة وزراء باربادوس، المعروفة بخطابها الناري في “العدالة المناخية”، أي المطالبة بإصلاح النظام المالي العالمي لصالح الدول المتضررة من تغيّر المناخ. لكنه يلمّح إلى أن خطابًا كهذا قد يثير حساسية عواصم كبرى تريد أمينًا عامًا يركز أولًا على الأمن والميزانية والإصلاح الإداري.


ويعرض التقرير كذلك “مرشح احتجاج” هو برونو دونات من موريشيوس، الذي قدّم ترشيحه كاعتراض على ما يعتبره نظام اختيار مغلقًا وغير شفاف، مع تحركات رمزية وإعلامية تركّز على القضايا الإنسانية.


أما الاسم الذي يلفت القارئ اللبناني مباشرة، فهو إيفون باكي، الدبلوماسية الإكوادورية من أصل لبناني. التقرير يصفها بأنها شخصية “ملونة” في السباق، تتقاطع حياتها بين عواصم العالم وبيروت، ويتوقف عند علاقاتها القديمة بدونالد ترامب ومحاولة توظيفها سياسيًا في السباق. ويشير التقرير إلى أنها درست في جامعات كبرى مثل السوربون (جامعة فرنسية تاريخية في باريس) وهارفرد (جامعة أميركية خاصة مرموقة)، وإلى حضورها الاجتماعي والسياسي الذي جعل بعض الصحافة يصفها بـ”الدبلوماسية الجميلة”، وهو وصف يورده التقرير كجزء من صورة إعلامية أكثر مما هو معيار سياسي داخل مجلس الأمن.


وفي سياق “الأسماء العائدة”، يذكر التقرير كريستالينا غورغييفا، المديرة العامة لصندوق النقد الدولي (IMF، مؤسسة مالية دولية معنية بالاستقرار المالي والقروض للدول)، وكذلك فوك ييريميتش، الذي سبق أن تولى رئاسة الجمعية العامة للأمم المتحدة وحاول المنافسة في 2016 قبل أن يسقط في المراحل الأولى.


لكن، بعيدًا عن سِحر الأسماء، يعود التقرير إلى الخلاصة القاسية: الأمم المتحدة لا تبحث عن قائد فحسب، بل عن خطة نجاة. أي أمين عام جديد سيواجه امتحانين متلازمين: أولًا، كيف يُعيد المؤسسة إلى الحد الأدنى من الفاعلية في عالم تتنازعه الحروب والنفوذ. وثانيًا، كيف يُقنع الممولين بأن المنظمة تستحق أن تُموَّل أصلًا، في ظل مزاج عالمي يتهمها بالعجز والازدواجية، وفي ظل مجلس أمن يملك فيه الفيتو القدرة على تعطيل حتى “المنطق”.


وهنا تحديدًا، يصبح السؤال الذي يطرحه التقرير منطقيًا للقارئ اللبناني أيضًا: إذا كانت الأمم المتحدة، بكل ما تمثله من رمزية دولية، عاجزة عن حماية نفسها ماليًا وإداريًا… فكيف ستحمي السلم الدولي؟ وإذا كان الأمين العام المقبل سيُختبر أولًا في واشنطن قبل نيويورك، فهل نحن أمام منظمة دولية… أم أمام توازنات قوة لا تعترف إلا بمن يملك القرار والمال والفيتو؟

تــابــــع كــل الأخــبـــــار.

إشترك بقناتنا على واتساب

WhatsApp

علـى مـدار الساعـة

arrowالـــمــــزيــــــــــد

الأكثر قراءة