المحلية

نوال نصر

نوال نصر

ليبانون ديبايت
الأحد 11 كانون الثاني 2026 - 07:08 ليبانون ديبايت
نوال نصر

نوال نصر

ليبانون ديبايت

لغة “العسكرة” مستهجنة… حراك “أصحاب العمائم” تحت “جلباب” الحزب

لغة “العسكرة” مستهجنة… حراك “أصحاب العمائم” تحت “جلباب” الحزب

يكاد لا يمرّ يوم لا تطنّ فيه هواتفنا برسالة: “استهداف سيارة (أو دراجة) وارتقاء شهيد”. نتوقف ثوانٍ، نلتقط الأنفاس، ونتابع حياتنا بين استهدافٍ وآخر، وانتظارٍ دائم لحربٍ لا بدّ آتية. نعيش كلّ هذا في ظلّ “الوعد المستمر” ممن بقي في دائرة القرار في “حزب الله” بالقدرة على “إنهاء إسرائيل من بكرة أبيها”. والمحاولة، في هذه الأيام النازفة، مستمرة. فها هو “الحزب”، بعد استنزاف كلّ القدرات، يعمّم على المعمّمين بوجوب تعبئة البيئة الشيعية للبقاء على جهوزية دائمة لشيءٍ ما.


ها نحن نحيا، في هذا الوقت الضائع، زمن حراك “التجمعات والمجالس الدينية” التي قبض “الحزب” على شيوخها وسادتها ليكونوا درعًا آخر يُستخدم في الوقت الصعب. وهل هناك أصعب من هذا الوقت؟ والسؤال الآخر: ماذا عن حراك رجال الدين الشيعة الذين يدورون في جلباب “حزب الله”؟


“ليبانون ديبايت” – نوال نصر


كلّ العالم يغلي. لا شيء بقي على حاله. ولبنان لم يعد ملفًا أولًا في الحسابات. نازحون، متشرّدون، قلقون. أمّا الدولة اللبنانية فتحاول المداواة بالتي هي أفضل. ووحده “الحزب” يعد بما أثبتت كل الوقائع أنه أصبح أكبر بكثير من قدرته على الفعل. وهناك، في كل هذا، من يحدّثنا عن “الصمود” و”المقاومة” و”الجنوب الذي يحمي لبنان” و”الدولة المتخاذلة”، متناسيًا، غافلًا، أنه هو من ساهم في سحب الدولة بالقوة إلى القعر، ويأبى أن يدعها تقف.


في الجوامع كلام كثير يصدح بكلمة سرّ يهمسها “الحزب” في آذان مشايخ، فتُصبح خطب أيام الجمعة. و… ها قد طنت رسالة جديدة. وابل من الغارات الإسرائيلية المروّعة على مناطق عديدة في لبنان بلا أي إنذار مسبق. في المقابل، “غارات” مشايخ الدين الشيعة تصدح في بيانات وخطب. فماذا في تفاصيل ما جرى ويجري، كما يرويها أهل الطائفة ممّن يأبون الذوبان في ثنائية الحزب والحركة؟


قبل اليوم، منذ أن تجرّأ بعض المشايخ، ممن يُحسبون لزامًا على بيئة الحزب، على الكلام، روايات كثيرة خرجت إلى العلن عن ممارسات “حزب الله” بحق رجال الدين الشيعة، حتى باتت أسوأ من ممارسات أحمد باشا الجزار بحق علماء جبل عامل. فهو دأب، في “أيام جبروته”، على إنهاء دور كثير من أصحاب العمائم الكبار، لصالح بعض المعمّمين السطحيين الذين لم يبلغوا مراتب علمية.


تغيّرت أحوال “أهل البيت”. المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى تبدّل كثيرًا، وباتت مواقفه تصدر a la carte. في المقابل، وُلد “تجمع العلماء المسلمين” مع ولادة “الحزب” عام 1982، ويضمّ شكليًا سنة وشيعة، والتضامن قوي بين المجلس والتجمع، ودائمًا لخدمة “أصحاب الأمر والقرار”.


نعم، ثمة حاجة ماسّة اليوم إلى المجلس والتجمع وإلى أصحاب العمائم فرادى. نبحث في موقع تجمع علماء المسلمين فنجد خبرًا أول: زار وفد من “التجمع” “المجلس”. نقلب في موقع المجلس الشيعي الأعلى فنرى خبرًا أول: استقبل “المجلس” وفدًا من “التجمع”. التنسيق، طبعًا، تام. وها هو وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يزور المجلس الشيعي الأعلى، مثنيًا على الدور الشيعي في لبنان ودور المجلس في وحدة الصف الشيعي “كصوت واحد موحّد للشيعة عامة”. نعم، المطلوب في هذا الوقت، وبإلحاح، تعبئة البيئة من خلال واجهة المؤسسات الدينية.


بيان سبق أن أصدره المجلس الشيعي جاء فيه: “نرصد مواقف تُمعن في التطاول على الطائفة الإسلامية الشيعية وعقائدها ومراجعها الدينية (…) نحذّر من هذه التجاوزات اللاأخلاقية واللاوطنية (…) ونحتفظ بحقنا في اتخاذ الإجراءات القانونية”. نعم، المجلس يُصدر بيانًا تلو بيان، وإذا بحثنا عن خيط أبيض نراه في قوله: “نحتفظ بحقنا في اتخاذ الإجراءات القانونية”. من المرّات النادرة التي تريد فيها الطائفة أخذ حقها بالقانون. فلنبتسم.


فلنعد إلى تجمع العلماء المسلمين. ثمة تحذير بلسان رئيس الهيئة الإدارية في التجمع الشيخ حسان عبد الله: “طوّشونا بترامب وبراط وأورتاغوس… لهؤلاء ولكل الصغار في لبنان من جعجع ورجي والكتائب… ممن يقولون إنهم يريدون تشليحنا سلاحنا وإلغاء المقاومة… سلاحنا لا يُنزع، والطريقة الوحيدة هي أن تقضوا على شعب المقاومة”. هنا أيضًا حاول التجمع أخذ الطائفة “قشة لِفّة” دفاعًا عن “الحزب” وسلاحه.


بيانات تتتالى. إنه وقت “المقاومة” الصعب، وذراعها الدينية تتحرّك بقوة. “حزب الله” عمل على مدى أربعين عامًا على هذا الأمر بكل ما أوتي من جبروت. ألا تتذكرون ما فعله بمفتي صور السيد علي الأمين؟ ألا تتذكرون الاضطهاد الذي تعرّض له من “الحزب” العلامة الشيخ محمد عز الدين، ومنع الناس من الصلاة خلفه؟ ألا تتذكرون الشيخ زهير كنج الذي يكتفي اليوم بإدارة محل غاز في منطقة الشياح؟


نجح “حزب الله” في السيطرة على الجهاز الديني الشيعي شبه الكامل. سيطر على الجوامع والحسينيات والمساجد والمصليات، وحتى على استخدام اسم المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى لأغراض تتعلّق بالاستيراد، كون المجلس يحوز على صفة المصلحة العامة، وبالتالي هو معفى من دفع الضرائب على الاستيراد.


أراد “الحزب”، كما “الحركة”، إبقاء المجلس الشيعي ضعيفًا كي تسهل السيطرة عليه، علمًا أنهما كانا يعرفان أن المجلس قادر، عند الحاجة، أن يكون نقطة التقاء مع الآخرين في الأوقات الصعبة، في ظلّ اليقين أن الأحزاب العسكرية، كـ”حزب الله”، لا يمكنها أن تقوم بدور اعتدالي لأنها محكومة بالمصالح والتوجهات. هذا اليقين يتمظهر اليوم، مع فارق أن لغة التصلّب أصابت كيان المجلس، الذي أسّسه السيد موسى الصدر ليكون محور اعتدال، في الصميم.


نجول اليوم في المناطق المحسوبة على “البيئة الشيعية” فنرى صورًا ومقولات للسيد موسى الصدر تتصدّر المشهد. نعم، حاجة “الحزب” اليوم للتلطّي وراء مرونة السيد المغيّب، كما حاجته للتلطّي وراء أصحاب العمائم. إنها محاولة تحييد، ثم تلطٍّ، ثم تحرّك وفعل.


عمل “الحزب” على احتواء أكثر من نصف مشايخ الشيعة في لبنان. وليس سرًا أنه دفع طويلًا إلى الحوزات، التي هي بمثابة الإكليريكيات عند المسيحيين، مبالغ باهظة. كما نجح في إلغاء الحيوية داخل الطائفة.


نعم، “الحزب” في وضع حرج. لغة “العسكرة” باتت مستهجنة حتى من قلب “البيئة”، حتى لو أطلّ من البسطاء من يردّد، كالببغاء: “إن حزب الله هم الغالبون”. و”الحزب” اليوم أكثر من أي وقت مضى بحاجة إلى غطاء. وأصحاب العمائم، تحت جلبابه، غطاء.

تــابــــع كــل الأخــبـــــار.

إشترك بقناتنا على واتساب

WhatsApp

علـى مـدار الساعـة

arrowالـــمــــزيــــــــــد

الأكثر قراءة