"ليبانون ديبايت" - محمد المدني
يقدّم رئيس الجمهورية جوزاف عون في كلامه خلال مقابلته أمس عن صلاحيات الرئيس في اتفاق الطائف مقاربة مختلفة لدور الرئاسة في النظام اللبناني، تقوم على الفصل بين الصلاحيات كنصوص جامدة، والسلطة كممارسة فعلية. فهو لا ينطلق من منطق الشكوى من اتفاق الطائف، ولا من خطاب استعادة صلاحيات مفقودة، بل من تشخيص واقعي لثغرات بنيوية عطّلت عمل الدولة، وحوّلت الصلاحيات في كثير من الأحيان إلى أدوات تعطيل بدل أن تكون وسائل تسيير للمرفق العام.
حين يطرح الرئيس عون أسئلة تتعلّق بغياب المهل الزمنية في الاستشارات النيابية أو في تشكيل الحكومات، أو بإمكان تعطيل المراسيم من قبل الوزراء، فهو لا يستهدف موقعًا بعينه، بل يلفت إلى خلل مزمن في آليات الحكم. هذا الخلل لا يُعالج بالصدام ولا بالشعارات، بل بالحوار والتوافق الوطني، لأن أي مقاربة أحادية ستقود حتمًا إلى شلل إضافي في مؤسسات تُعاني أصلًا من الهشاشة.
في هذا السياق، يصرّ رئيس الجمهورية على توصيف موقعه كـ"حَكَم لا طرف"، لا بوصفه شعارًا إنشائيًا، بل كخيار استراتيجي. فالأرقام التي يستند إليها، من حيث عدد المراسيم الصادرة وجلسات مجلس الوزراء والقرارات المتّخذة، تهدف إلى تأكيد فكرة مهمة مفادها أنّ الرئاسة قادرة على أن تكون فاعلة حتى ضمن الهامش الدستوري الحالي، متى أُحسن استخدام هذا الهامش في اتجاه تسيير شؤون الدولة لا تعطيلها.
هذا المنهج ينسحب أيضًا على تعاطيه مع أكثر الملفات حساسية، وفي مقدّمها ملف السلاح. فمقاربة الرئيس تختلف جذريًا عن المقاربة التي يعتمدها من ينتهجون خطاب المواجهة المفتوحة. الاختلاف هنا لا يتمحور حول الهدف المعلن، بل حول المنهج. فرئيس الجمهورية لا يرى في ملف السلاح مادة تعبئة داخلية أو أداة اصطفاف سياسي، بل يعتبره أخطر تحدٍّ يواجه تماسك الدولة والسلم الأهلي، ما يفرض التعامل معه ببرودة أعصاب وحسابات دقيقة للكلفة والنتائج.
من هذا المنطلق، لا يمكن قراءة هذا الخطاب بوصفه تراجعًا أو ميوعة، بل باعتباره مقاربة واقعية في بلد يرزح تحت انهيارات متداخلة مع ذاكرة حرب أهلية لم تُمحَ بعد من وعي اللبنانيين. الرئيس لا يتصرّف كرئيس فريق أو محور، بل كرئيس دولة يسعى إلى منع انزلاق الخلافات السياسية إلى الشارع، وإبقاء الصراعات ضمن أطرها المؤسسية مهما كانت ضعيفة.
الخلاصة من مقابلة الرئيس جوزاف عون أنه لا ينافس خصومه في ساحة الصدام، لأنه يعتبر أن هذه الساحة قد تمنح مكاسب شعبوية سريعة، لكنها تُسقط الدولة على المدى المتوسط. واختياره لموقع الحَكَم ليس تعبيرًا عن ضعف، بل عن قناعة بأن أي رئيس يتحوّل إلى طرف في هذه المرحلة يفقد القدرة على حماية الرئاسة، ويفقد معها ما تبقّى من توازن. فالرئيس يراهن على إدارة المخاطر لا على تفجيرها، وعلى منع الانهيار لا على تسجيل النقاط، واضعًا نفسه في موقع الحاكم الاستراتيجي لا السياسي التعبوي.