في وقت تتحدث فيه واشنطن عن “مساعدة محتملة” للاحتجاجات في إيران، تبدو الساحة الداخلية في الجمهورية الإسلامية وكأنها تشتعل من تلقاء نفسها، وسط تقارير متزايدة عن ظهور محتجين مسلحين في الشوارع، وتساؤلات جدية حول ما إذا كان السلاح قد بدأ بالفعل بالتدفق إلى الداخل الإيراني. من وحدات كوماندوس يُعتقد أنها تنتظر خلف الحدود، إلى سيناريو دراماتيكي على غرار ما جرى في فنزويلا، تتبلور مجموعة من الاحتمالات التي قد تحدد شكل الدور الأميركي في المرحلة المقبلة.
التقرير، الذي نشره موقع Ynet الإسرائيلي ووقّعه المحلل العسكري شي ليفي، يسلّط الضوء على النقاشات الدائرة في واشنطن حول “دعم محتمل” للحراك الإيراني، مقابل واقع ميداني يتجه نحو مزيد من التصعيد. فبينما يعمد النظام الإيراني الحاكم إلى تعتيم الإنترنت وقطع قنوات التواصل، فإن المعلومات التي تنجح في الخروج ترسم صورة معقدة وخطيرة: أعداد الضحايا في ازدياد، وتظهر للمرة الأولى تسجيلات تشير إلى استخدام السلاح الناري، ليس فقط من جانب القوى الأمنية، بل أيضًا من قبل بعض المحتجين.
وبحسب ما ينقل شي ليفي، فإن تقارير ميدانية، لم يُحسم بعد مدى دقتها بشكل نهائي، تتحدث عن مشاهد لمحتجين إيرانيين يحملون بنادق وأسلحة خفيفة في قلب طهران ومدن أخرى. حتى الآن، يبدو أن الأمر يقتصر على أفراد أو مجموعات صغيرة ومعزولة، وليس على تشكيلات قتالية منظمة. إلا أن توسّع هذه الظاهرة قد يقلب قواعد اللعبة بالكامل في الشارع الإيراني، وهو ما يدفع خبراء إلى التذكير ببدايات الأزمة السورية، حين تحولت احتجاجات واسعة خلال فترة قصيرة إلى صراع مسلح مفتوح.
ويبقى السؤال المركزي: من أين يأتي هذا السلاح؟ ففي إيران، لا يُعد امتلاك السلاح أمرًا شائعًا بين المدنيين. وتُطرح في هذا السياق عدة فرضيات، أبرزها احتمال نهب أسلحة من مخازن تابعة للجيش أو لقوى الأمن خلال أعمال الشغب، أو تهريبها عبر الحدود، خصوصًا من العراق غير المستقر أو من سوريا، بواسطة شبكات إجرامية تستغل الفوضى لتحقيق مكاسب سريعة.
هذا التطور يفتح الباب، بحسب التقرير، أمام احتمال تدخل غربي غير مباشر. فالحديث لا يقتصر على تزويد المحتجين بالسلاح، بل يشمل دعمًا استخباراتيًا ولوجستيًا عالي المستوى، يُقدّر أنه يُقدَّم لبعض أطراف المعارضة بطرق سرية منذ سنوات. كما يُشار إلى احتمال وجود ما يُعرف بـ“قوى الظل” في دول مجاورة لإيران، مثل العراق أو سوريا أو أذربيجان، بهدف تقديم دعم استراتيجي للاحتجاجات من دون الزج بقوات أميركية في مواجهة مباشرة داخل أزقة طهران.
وفي حال قررت الولايات المتحدة الانتقال إلى خيار عسكري، يشير تحليل Ynet إلى أن الأهداف المحتملة قد لا تقتصر على المنشآت النووية، بل تشمل رموز وأدوات القمع التابعة للنظام الإيراني الحاكم، مثل قواعد قوات “الباسيج”، ومقار الوحدات الخاصة في الشرطة، ومنشآت تابعة للحرس الثوري ومراكز استخباراتية حساسة.
ويأتي هذا النقاش في وقت لا توجد فيه حاليًا حاملات طائرات أميركية في المنطقة، سواء بسبب أعمال صيانة أو انخراطها في مهام ضمن مناطق قيادة أخرى. ومع ذلك، يؤكد التقرير أن القيادة المركزية الأميركية تمتلك ما يكفي من القوة الجوية، وأن القاذفات الاستراتيجية قادرة على تنفيذ ضربات مباشرة من قواعد داخل الولايات المتحدة إلى أي هدف داخل إيران.
ورغم أن غزوًا بريًا واسع النطاق يُعد شبه مستبعد، إلا أن عمليات كوماندوس محدودة تبقى احتمالًا واقعيًا. وينقل شي ليفي عن تقارير غير رسمية تشير إلى وجود وحدات نخبة أميركية، مثل قوة “دلتا” أو قوات “سيلز” البحرية، في العراق، في حالة جهوزية لتقديم دعم ميداني أو تنفيذ عمليات دقيقة، إلى جانب انخراطها في مهام استطلاع وجمع معلومات استخباراتية.
لكن مقارنة الوضع الإيراني بتجربة فنزويلا، حيث جرى الحديث عن محاولات لإسقاط نيكولاس مادورو، تبقى إشكالية. فمصادر أمنية، بحسب التقرير، تشدد على أن تنفيذ عمليات مماثلة في طهران أكثر تعقيدًا وخطورة بكثير، فيما لا يزال فشل عملية تحرير الرهائن الأميركيين في إيران مطلع ثمانينيات القرن الماضي حاضرًا بقوة في الذاكرة الأميركية، ويؤثر بعمق على حسابات صناع القرار في واشنطن.
وخلاصة ما يورده تقرير Ynet الموقّع باسم شي ليفي، أن الاحتجاجات في إيران تدخل مرحلة جديدة وأكثر خطورة مع ظهور السلاح في أيدي بعض المحتجين، وأن أي خطوة أميركية، سواء كانت دعمًا سريًا أو ضربة عسكرية محدودة، قد تشكل نقطة تحوّل لا في مستقبل إيران فحسب، بل في خريطة الشرق الأوسط بأكملها، في لحظة إقليمية شديدة الحساسية.