في المقابل، كانت عيون تراقب من بعيد. اللحظة حانت. لم يكن التحرّك عشوائيًا، ولا القرار ارتجاليًا. كانوا يعرفون التوقيت، ويعرفون الطريق، ويعرفون تمامًا من في الداخل: امرأة مسنّة، ابنة من ذوي الاحتياجات الخاصة، وعاملة منزلية لا حول لها ولا قوة.
دراجتان ناريتان بلا لوحات، أربعة وجوه مغطاة، أسلحة حربية في الأيدي، وصمت يسبق العاصفة. قرع الباب لم يكن طلبًا، بل بداية السيطرة. صونيا فتحت ظنًا منها أن ابنها عاد ناسيًا شيئًا ما، لكن الذي دخل لم يكن ابنًا، بل فوهة مسدس وأوامر قصيرة وقاسية: “المال الآن… وإلا القتل”.
لم تُمنح وقتًا للتفكير. في لحظات، سقطت الأشرطة اللاصقة على يديها وقدميها، أُغلق فمها، وسُحبت إلى الداخل لإسكات الصوت قبل أن يولد. في الغرفة الأخرى، استيقظت الابنة على الفوضى. لم تفهم ما يحدث، ولم تستوعب المشهد، ولم تقاوم، فالجسد العاجز لا يملك خيار المقاومة. قُيّدت وأُلقيت أرضًا بجانب والدتها، والعاملة الإثيوبية التي لاقت المصير ذاته.
ثلاث نساء على الأرض: وجوه خائفة، أجساد مكبّلة، وأصوات مخنوقة. في المقابل، كان العقل الإجرامي ينفّذ بلا تردد ولا رحمة. أدوار موزّعة بدقة: واحد يهدد بالسلاح، واحد يربط، واحد يفتش، وواحد يراقب.
فُكّت يدا صونيا فقط لتدلّهم على المال، تحت التهديد والوعيد بالقتل إن أقدمت على أي تصرّف. فُتح الدرج، أُخذ الظرف الأبيض، وأُفرغت المحفظة. لكن الجريمة لا تشبع. العقل الإجرامي أراد أكثر: الخزنة، كل ما هو مخبّأ، وكل ما يمكن حمله.
أعيد تقييدها مجددًا، وتوجّهوا إلى غرفة شربل. كانوا يعرفون مكان الخزنة، حجمها، وكيف تُخلع، كأن أحدًا من الداخل دلّهم، وكأن المنزل لم يكن سرًا عليهم. اقتُلعت الخزنة، حُملت، وغادروا كما دخلوا: بسرعة، وبرودة، ومن دون أي رحمة. في الداخل، بقيت النساء على الأرض، بلا صوت ولا حركة.
كاميرات المراقبة سجّلت الحقيقة: أربعة مجرمين أشباح، سبع دقائق، وخزنة تختفي.
وأمام القاضية جويل عيسى الخوري، لم يكن التحقيق صاخبًا ولا انتقاميًا. كان هادئًا، دقيقًا، قائمًا على تفكيك المشهد قطعة قطعة. البصمة على الخزنة قالت ما لم يقله المتهمون، فكشفت تورّط أحمد محمد المصري (لبناني)، ومحمد بسام عودة (سوري)، وأمين أحمد عودة (سوري)، إضافة إلى شخصين آخرين هما يحيى وأحمد، وكلاهما سوريّا الجنسية ومجهولا باقي الهوية.
وأظهرت التحقيقات أن الأجهزة الأمنية أوقفت أحمد محمد المصري ومحمد بسام عودة احتياطيًا، فيما لا يزال أمين أحمد عودة والشخصان الآخران متواريين عن الأنظار. كما كشفت الاعترافات تفاصيل التخطيط والمراقبة الدقيقة، ولحظة انتظار خروج شربل، وكيف كان القرار محسوبًا بالثواني. فالمنزل لم يُستهدف صدفة، والساعة لم تكن عشوائية، والضحايا لم يُختاروا بالخطأ.
القاضية عيسى الخوري لم تنظر إلى الجريمة كخبر، بل كمسار وكفعل وكجناية مكتملة الأركان. واجهت المتهمين بالوقائع، بالصورة، بالبصمة، وبالاعتراف، وبالمنطق القانوني، من دون صراخ أو استعراض، بل بأسئلة دقيقة وإجابات أدانت أصحابها.
القرار الظني لم يكن مجرد نص، بل إعادة بناء للجريمة من لحظة المراقبة، إلى لحظة الاقتحام، إلى لحظة تقييد النساء، إلى لحظة حمل الخزنة، إلى لحظة الفرار، مؤكدًا أن ما حصل ليس سرقة عادية، بل جناية منظّمة نُفّذت بعقل إجرامي بارد، بلا رحمة، وبلا اعتبار لامرأة مسنّة، ولا لابنة عاجزة، ولا لإنسانية المكان.
هنا، العدالة لم تكن صاخبة، بل كانت ثابتة، هادئة، قاسية بالقانون، ومنصفة بالحقيقة.