"ليبانون ديبايت"
عقدت مبادرة غربال، بالتعاون مع مؤسسة فريدريش إيبرت شتيفتونج، مؤتمرًا خُصّص لملف المباني المستأجرة من قبل الإدارات العامة، تحت عنوان: الكلفة، هوية المالكين والتوزيع الجغرافي، في خطوة تهدف إلى تسليط الضوء على أحد أكثر الملفات حساسية في إدارة المال العام، في ظل الأزمة المالية الخانقة التي تمر بها البلاد.
وتضمّن برنامج المؤتمر إطلاق تقرير مبادرة غربال حول المباني المستأجرة من قبل إدارات الدولة، إلى جانب كلمة لممثل عن مؤسسة "فريدريش إيبرت شتيفتونج". كما عُقدت جلسة حوار شارك فيها النائبة حليمة قعقور، والإعلامي رياض قبيسي، والمدير التنفيذي لمبادرة غربال الصحافي أسعد ذبيان، وأدارت الجلسة الإعلامية إلسي مفرج.
وشرحت الصحافية سامايا جابر في حديث إلى "ليبانون ديبايت"، ان ما تضمنه التقرير تناول بالأرقام والتفاصيل عدد المباني المستأجرة من قبل الإدارات العامة، وهوية مالكيها، والكلفة المالية التي تُدفع عن كل عقار، إضافة إلى تحديد الإدارات الأكثر استئجارًا للعقارات في الدولة.
وأشارت جابر إلى أن التقرير تطرّق أيضًا إلى التوزيع الجغرافي للمباني المستأجرة، مبيّنًا نسبها في بيروت مقارنة بالمناطق الأخرى، وتفاصيلها على مستوى كل محافظة. كما عرض التقرير أكبر عقود الإيجار من حيث القيمة المالية، حيث بلغ أكبر عقد نحو 9 ملايين دولار لمبنى تابع لـ"الإسكوا".
وأضافت أن المؤتمر شهد مداخلات للنائب حليمة قعقور والإعلامي رياض قبيسي، تناولت نتائج التقرير وانعكاساته، مشيرة إلى أن نوابًا، وبالتعاون مع مبادرة غربال، تقدّموا بسؤال إلى الحكومة للاستفسار عن عدد العقارات التي تملكها الدولة، وهوية العقارات المستأجرة، وأسماء مالكيها، والكلفة المالية المترتبة عليها.
وفي ما يتعلّق بالمداخلات، شدّد أسعد ذبيان على أن الشفافية في ملف الإيجارات ضرورة ملحّة، داعيًا إلى إجراء تدقيق مالي وقانوني من الجهات المختصة، وإلغاء التجديد التلقائي للعقود، ووضع آليات واضحة لتنظيم العلاقة بين الإدارات العامة والجهات المالكة.
من جهتها، قالت النائبة حليمة قعقور: "نحن في أكبر فجوة مالية في العالم، وليس مقبولًا أن نستمر في صرف الأموال من دون أي حسيب أو رقيب"، مشيرة إلى أن الدولة تنفق أكثر من 50 مليون دولار على ملف الإيجارات. وأضافت أنها تقدّمت، بالتعاون مع غربال، بسؤال إلى الحكومة للحصول على تفاصيل دقيقة عن هذه العقارات، لافتة إلى أنه خلال مناقشة الموازنات، تمتلك كل وزارة بندًا للإيجارات، لكن المعلومات المطلوبة لم تصل حتى الآن باستثناء ما يتعلّق بالهبات، معتبرة أن مبادرة غربال نجحت في الوصول إلى معلومات تعجز الجهات الرقابية والنيابية أحيانًا عن تحصيلها.
بدوره، اعتبر الإعلامي رياض قبيسي خلال المؤتمر أن الأرقام الواردة في التقرير "مرعبة"، قائلًا: "بلد خارج من حرب استورد بـ21 مليارًا و19 مليون دولار". وأشار إلى أن أرقام الإيجارات تكشف فظائع مالية، لكن المشكلة الأساسية تكمن في غياب التخطيط الجدي لإصلاح هذا الملف.
وخُتم المؤتمر بالإعلان عن نشر التقرير كاملًا عبر المنصات الرقمية لمبادرة غربال، في إطار الدفع نحو مزيد من الشفافية والمساءلة في إدارة المال العام.
مضمون التقرير
ويهدف التقرير ،وفق ما ورد فيه، إلى إجراء دراسة علمية منهجية للعقارات المستأجرة من قبل الجهات الحكومية، بغية تعزيز مبدأ الشفافية، والكشف عن مكامن الهدر وعدم الكفاءة في إدارة الأموال العامة، ودعم وضع السياسات العامة على أسس قائمة على البيانات والأدلة. ويرتكز الهدف المحوري للدراسة على إعداد خريطة شاملة للتوزيع الجغرافي، والخصائص المالية، والأنماط المؤسسية لعقود الإيجار الحكومية.
وبحسب التقرير، تدير الحكومة اللبنانية 1,315 عقد إيجار موزّعة على 67 جهة عامة ضمن المحافظات اللبنانية الثماني، وتُستخدم هذه العقارات لتأمين مقار تقدّم من خلالها الدولة خدمات عامة أساسية تشمل قطاعات التعليم، والصحة، والدفاع، والرعاية الاجتماعية، وغيرها، وتتراوح بين مكاتب إدارية صغيرة ومبانٍ مؤسساتية كبيرة الحجم.
وتخضع هذه العقود لإطار قانوني مزدوج يميّز بين عقود الإيجار القديمة المبرمة قبل 23 تموز 1992، والتي تُطبّق عليها أحكام نظام الإيجارات القديم ببدلات منخفضة أو رمزية، وعقود الإيجار الجديدة الخاضعة لنظام الإيجارات الجديد وتعكس بدلاتها الأسعار السائدة في السوق العقاري.
ويؤدي هذا الإطار القانوني المزدوج ، وفق ما يخلص اليه التقرير، إلى فوارق مالية وإدارية جوهرية تنعكس مباشرة على الموازنات العامة، وتفرض تحديات تنظيمية في إدارة هذه العقارات. وفي ظل الأزمة الاقتصادية والمالية الراهنة، يشكّل هذا الملف محورًا أساسيًا لإعادة النظر في كيفية إدارة العقارات المستأجرة، بما يضمن ترشيد الإنفاق العام وتحقيق الشفافية والكفاءة في إدارة الممتلكات العامة، مع الحفاظ على مستوى الخدمات المقدّمة للمواطنين.