في خطوة تعكس مسارًا تصاعديًا لإعادة تشكيل منظومة العمل الدولي، دعا الرئيس الأميركي دونالد ترامب عشرات القادة العالميين للانضمام إلى ما يُعرف بـ"مجلس السلام" بشأن غزة، في مؤشر إلى أنّ هذا الإطار قد يتجاوز حدود القطاع ليحمل طابعًا دوليًا أوسع.
ونقلت صحيفة جيروزاليم بوست عن دبلوماسيين غربيين أنّ ترامب يسعى إلى تأسيس كيان جديد قد يوازي دور الأمم المتحدة، في ظل انتقاداته المتكررة لأداء المنظمة الدولية وتشكيكه بفعاليتها.
وتأتي هذه المبادرة في سياق تحولات عميقة في بنية النظام العالمي، وسط تساؤلات حول إمكانية توسيع مهام المجلس لتشمل ملفات إقليمية ودولية تتجاوز غزة.
وفي حديث إلى غرفة الأخبار على سكاي نيوز عربية، أشار كبير الباحثين في معهد الشرق الأوسط في واشنطن بول سالم إلى الطبيعة غير التقليدية لخطط ترامب في إدارة الشؤون الدولية، وخصوصًا في ما يتصل بالشرق الأوسط وقطاع غزة.
وأكد سالم أنّ ترامب معروف بأفكاره المفاجئة والخارجة عن المألوف، لافتًا إلى أنّ النص المنشور حول مجلس السلام الجديد لم يتطرّق مباشرة إلى غزة، رغم أنّ الهدف من تأسيس المجلس يتضمّن معالجة قضاياها.
وأشار إلى أنّ الرئيس الأميركي يسعى عبر هذا المجلس إلى بناء منظومة عالمية تحت قيادته، تضم دولًا حليفة وصديقة، بما يتيح للولايات المتحدة تعزيز مصالحها وفق رؤيته الشخصية.
وقال سالم: "الفكرة ربما لن تدوم أكثر من فترة رئاسة ترامب، ولا يمكن اعتبارها بديلًا طويل الأمد للأمم المتحدة، لكنها قد تشكّل خلال إدارته نوعًا من البديل الأميركي".
ومن منظور ترامب، كما يوضح سالم، يُنظر إلى النظام العالمي كمجموعة من مناطق النفوذ، وتُعدّ الولايات المتحدة أكبر هذه المناطق، متوقعًا أن تُنظَّم هذه المنظومة بما يخدم السلطة الأميركية ومصالحها وقيادتها في منطقة النفوذ، التي تشمل الشرق الأوسط، من دون إشراك قوى منافسة مثل روسيا أو الصين أو أوروبا الغربية.
ويرى سالم أنّ نجاح هذه المنظومة في غزة سيُشكّل نتيجة مهمّة للسياسة الأميركية في المنطقة، إذ تُبرز هذه الخطوة القدرة الأميركية على فرض إرادتها على الملف الفلسطيني–الإسرائيلي، من دون الاعتماد على الأمم المتحدة أو مؤسسات دولية أخرى.
وفي هذا السياق، يستعرض سالم ما يمكن وصفه بتحوّل جذري في طريقة إدارة القضية الفلسطينية على المستوى الدولي، بعد الإعلان الذي أطلقه ترامب بشأن غزة. ووفق هذا التحليل، فإن ما كان يُنظر إليه سابقًا على أنّه "ورقة إسرائيلية"، تم سحبه ووضعه بالكامل تحت النفوذ الأميركي المباشر.
وأشار سالم إلى أنّ السنوات الماضية شهدت دعمًا أميركيًا مطلقًا لإسرائيل، ما أتاح لها توسيع نفوذها في غزة والضفة الغربية، إلّا أنّ هذا الواقع يشهد تغيّرًا تاريخيًا في ظل إدارة ترامب، مع تراجع النفوذ الإسرائيلي المباشر للمرة الأولى منذ عهد الرئيس الأميركي أيزنهاور في خمسينيات القرن الماضي.
ووصف سالم المقاربة الأميركية الجديدة بأنّها لا تقوم على الديمقراطية بالمعنى التقليدي ولا على السياسة وفق الآليات المعروفة، بل تعتمد منهجية "البزنس" التي يفضّلها ترامب في معالجة القضايا الدولية.
وختم بالإشارة إلى أنّ ترامب يسعى إلى إعادة هندسة السلطة في الشرق الأوسط عبر مجلس السلام الجديد، بما يضع غزة تحت النفوذ الأميركي المباشر ويعيد ترتيب الأولويات بين الدول الإقليمية وإسرائيل، معتبرًا أنّ هذه التجربة الأميركية الفريدة قد تحمل تداعيات بعيدة المدى على المشهدين الاستراتيجي والسياسي في المنطقة.