صحيحٌ أن التعاطي السعودي مع لبنان تبدّل، لكن الأدقّ أنه انتقل من سياسة ردّ الفعل إلى سياسة إدارة المشهد. فالمملكة العربية السعودية لم تغيّر ثوابتها، بل أعادت صياغة أدواتها.
العقلية السعودية الجديدة التي تحكم هذا المسار لا تقوم على الخصومة المعلنة ولا على القطيعة، بل على اقتحامٍ هادئ للمساحات التي أُديرت لعقود ضدّها وتحت عنوان العداء لها.
ما فعلته السعودية اليوم هو كسر احتكار الخطاب. حين فُتحت القنوات مع قوى ممانعة كانت حتى الأمس القريب في ذروة العداء السياسي والإعلامي للمملكة، لم يكن الهدف مصالحة ولا تراجعًا ولا مساومة، بل سحب الذريعة وتعريتها من بعدها التعبوي. فالخصم الذي تُحاوره يفقد القدرة على التحريض، وتسقط عنه رواية أنه محاصر أو مستهدف أو مُقصى.
تنطلق هذه المقاربة من قناعة بأن العداء الصريح لم يعد أداة فعّالة في لبنان. فقد أثبتت التجربة أن القطيعة منحت خصوم المملكة فرصة ذهبية لتكريس أنفسهم "ضحايا سياسيين"، واستثمار هذا الموقع لتبرير السلاح والهيمنة ومصادرة الدولة.
من هنا، قرّرت الرياض الدخول إلى الساحة اللبنانية من باب أكثر حساسية وخطورة، وهو مخاطبة الجميع من موقع الواثق لا من موقع المتحفّظ.
وإن فتح الحوار مع قوى الممانعة لم يكن اعترافًا بمشروعها، بل محاكمة سياسية غير معلنة له. فعندما تُبلِغ هذه القوى، بشكل مباشر أو غير مباشر، أن الدعم العربي والدولي لن يمرّ إلا عبر الدولة، وأن لا مساعدات ولا استقرار ولا إعادة إعمار ولا اقتصاد من دون سيادة، فهي تُجرَّد من أهم أوراقها، وهي الادعاء بأنها تمثّل مصلحة لبنان العليا أو تحميه من الانهيار.
الميزة الأساسية في هذا التعاطي الجديد أنه لا يراهن على الأشخاص ولا على التسويات السريعة، بل على الزمن السياسي والمؤسساتي. فالسعودية لم تعد تبحث عن فريق لبناني "صديق" يحكم، بل عن دولة قابلة للحكم. وهذا ما يفسّر التركيز على الجيش، والانتخابات، والإصلاح، بدل الاستثمار في زعامات ظرفية. كل من يلتزم هذه العناوين يُخاطَب، ومن يخرج عنها يُترك ليواجه تناقضاته وحده.
لهذا تحديدًا يبدو المشهد مقلقًا لقوى الممانعة. فالحوار معها لا يمنحها شرعية، بل يسحب منها ذريعة المواجهة. والانفتاح السعودي لا يعني تطبيعًا معها، بل كسرًا لأسطورة أنها العنوان الوحيد الممكن في لبنان. في السياسة، أحيانًا يكون فتح الباب أخطر من إغلاقه، لأن من يدخل إلى العلن يُجرَّد من مبرّرات العمل في الظل. وهذا ما تفعله المملكة اليوم بعقلٍ بارد ونَفَسٍ طويل.