شهدت العاصمة بيروت تظاهرة حاشدة نظمها أبناء الجالية الكردية، عبّروا خلالها عن تضامنهم مع قوات سوريا الديمقراطية، في ظل التصعيد العسكري والأمني المتواصل في مناطق شمال وشرق سوريا. ورفع المشاركون لافتات مؤيدة لقسد، مردّدين شعارات أبرزها “كلنا قسد” و“عاشت مقاومة شمال وشرق سوريا”، في خطوة عكست قلقًا متزايدًا حيال تطورات الميدان.
وجاءت هذه التحركات في أعقاب إعلان الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا النفير العام، وهو قرار فسّره منظمو التظاهرة على أنه دعوة للتعبئة الشعبية ورفع مستوى الجهوزية، في مواجهة ما تعتبره قوى محلية تهديدًا مباشرًا لأمن المنطقة واستقرارها. ولم تقتصر هذه التحركات على بيروت، إذ سُجّلت تحركات مماثلة في مدن أخرى تشهد وجودًا كثيفًا للجاليات الكردية خارج سوريا.
تأتي هذه التطورات على وقع تعثّر تنفيذ التفاهمات السياسية التي جرى الحديث عنها مؤخرًا بين الرئيس السوري أحمد الشرع وقيادة قسد برئاسة مظلوم عبدي. هذا التعثّر فتح الباب أمام مرحلة جديدة من التوتر، ترافقت مع تصعيد ميداني وضغوط متزايدة على مناطق الإدارة الذاتية.
ميدانيًا، تواجه قوات سوريا الديمقراطية واقعًا شديد التعقيد، يتقاطع فيه العامل العسكري مع الحسابات السياسية والإقليمية. فمنذ سنوات، تمسك قسد بزمام السيطرة الأمنية والعسكرية على مساحات واسعة من شمال وشرق سوريا، بدعم من التحالف الدولي في إطار الحرب على تنظيم داعش.
إلا أن مرحلة ما بعد انحسار التنظيم حملت تحديات مختلفة، تمثّلت في هجمات متكررة، وضغوط سياسية، ومحاولات إعادة رسم موازين القوى في المنطقة، في ظل غياب حل سياسي شامل للأزمة السورية. وترى قسد أن هذه التطورات تهدف إلى إنهاك بنيتها العسكرية والأمنية، وزعزعة الاستقرار الهشّ القائم، ما ينعكس مباشرة على الأوضاع الإنسانية والمعيشية للسكان.
في هذا السياق، تكتسب تحركات الجاليات الكردية في الخارج، ومنها تظاهرة بيروت، بعدًا يتجاوز الرمزية. فهي تشكّل محاولة لإبقاء قضية شمال وشرق سوريا وقسد في دائرة الضوء، ومنع تهميشها إعلاميًا وسياسيًا، في وقت تتسارع فيه التحولات الإقليمية.
في المحصّلة، يقف ملف قوات سوريا الديمقراطية ومناطق شمال وشرق سوريا عند مفترق حساس، تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع التوازنات السياسية الإقليمية. وبين النفير العام والتحركات الشعبية في الداخل والخارج، يبقى المشهد مفتوحًا على احتمالات عدة، رهن مسار التطورات الميدانية، وما إذا كان المجتمع الدولي سيتعامل مع هذا الملف ضمن إطار حل سياسي أوسع، أو يتركه أسير ميزان قوى متغيّر.