وتؤكد مصادر مطّلعة على أجواء قصر بعبدا أنّ العلاقة بين الرئاسة الأولى وحزب الله جيّدة جداً، مشددة على أنّه ليس من مصلحة الطرفين حصول أي صدام بينهما.
وتلفت إلى أنّ ما يصدر عن رئيس الجمهورية أو عن الحزب يعبّر عن موقف خاص بكل طرف، لكن ذلك لا يعني انقطاع التواصل، إذ تؤكد المصادر أنّ قنوات الاتصال لا تزال مفتوحة، وهناك تعاون قائم بين الجانبين.
لكن في المقابل، تعترف مصادر مطّلعة على أجواء حزب الله بأنّ العلاقة مع رئاسة الجمهورية يعتريها فتور واضح، مسجّلةً عتباً كبيراً على الرئيس، ولا سيما حيال مواقفه الأخيرة التي تحمل، بحسب تعبيرها، الكثير من الالتباسات غير المبرّرة.
وترى هذه المصادر أنّه من غير المقبول أن يُبادر رئيس الجمهورية إلى إطلاق مواقف لا تخدم المصلحة الوطنية في هذا التوقيت الحساس.
وتستند هذه المصادر في موقفها إلى ما صرّح به الرئيس أمس أمام السلك الدبلوماسي، حين تحدث عن “السلاح غير الشرعي منذ أربعين سنة”، معتبرةً أنّ هذا الكلام يطرح إشكالية كبيرة، إذ إن هذا السلاح، إذا كان المقصود به سلاح المقاومة الذي وُجد منذ عام 1975 وتكرّس مع الاحتلال الإسرائيلي، فهو سلاح شرعي بكل المعايير الدولية، وُجد لتحرير الأرض والدفاع عنها.
كما تثير المصادر علامات استفهام حول حديث الرئيس عن “الاعتداء” من دون أن يسمّي إسرائيل صراحة كجهة معتدية، معتبرةً أنّ عدم التسمية يفتح باب الالتباس.
كذلك، تتوقف عند قوله إنّه "لا توجد رصاصة واحدة في الجنوب"، ونسب هذا الأمر إلى إنجازاته، متجاهلاً بحسب المصادر حقيقة أنّ سبب عدم إطلاق النار يعود إلى التزام حزب الله بالاتفاق، وعن قناعة تامة بأنّ الحزب حين يلتزم أمراً ما، يتقيّد به كلياً.
وتبدي المصادر استغرابها من كلام الرئيس حين أحصى عدم إطلاق رصاصة واحدة من لبنان، من دون أن يقابل ذلك بذكر أكثر من 11 ألف خرق إسرائيلي، وسقوط أكثر من 180 شهيداً، إضافة إلى تدمير عشرات المباني، من بينها تسعة مبانٍ في الضاحية الجنوبية، كشف عليها الجيش اللبناني والآلية المعتمدة، وأكدت خلوّها من أي أسلحة، ورغم ذلك دمّرها العدو الإسرائيلي.
وتسأل المصادر: ألم يكن الأجدى برئيس الجمهورية أن يذكر هذه الوقائع؟ أن يسمّي المعتدي بوضوح ويدافع عن حقوق بلده، بدل أن يظهر بمظهر المساير؟ وتعتبر أنّ ما صدر عنه كان مفاجئاً، وكأنّه يقول إنّ لبنان يريد السلام، وإنّ كل الدول تتجه نحو السلام.
وتلفت المصادر الرئيس، في هذا الإطار، إلى أنّ السلام الذي يُطرح على غرار النموذج السوري هو سلام بالنار، حيث تضرب إسرائيل الأراضي السورية، وتسيطر على محافظات، وتمنع الجيش السوري من الرد، وتُطرح وقائع خطيرة تتصل بحماية فئات معيّنة، كالدروز أو الأكراد أو غيرهم. وترى المصادر أنّ هناك مساراً غير طبيعي بدأ مع المقابلة التلفزيونية الأخيرة، ويُستكمل اليوم بالمواقف ذاتها، في مشهد تصفه بأنّه غير طبيعي على الإطلاق.
ومن هنا، يبرز السؤال الجوهري: هل يتوقّع رئيس الجمهورية فعلاً تغييرات كبرى وتطورات إقليمية عميقة تجعله يرى أنّ حزب الله بات ضعيفاً، فيعتمد منطقاً مغايراً بعد أن كان يعتمد منطقاً مختلفاً؟
تشدّد المصادر على أنّ هذا السلوك لا ينسجم مع دور رئيس الجمهورية كرئيس للدولة، وحَكَمٍ بين اللبنانيين، وضامنٍ للوحدة الوطنية والسلم الأهلي، وحامٍ لسيادة البلاد وأمن المواطنين في وجه أي اعتداء.
ولا تجد المصادر أي مبرر لتجاهل رئيس الجمهورية ذكر الاعتداءات الإسرائيلية بالأرقام أمام السلك الدبلوماسي، حتى وإن تطرّق إلى ضرورة إعادة الإعمار. فالإحصاء، بحسب المصادر، ليس موقفاً سياسياً بحدّ ذاته، بل توصيف دقيق للواقع، وهو يشمل توثيق عدد الشهداء والجرحى، وحجم الدمار، وعدد الاعتداءات الإسرائيلية، بما فيها تلك التي طالت الجيش اللبناني وقوات “اليونيفيل”.
وتختم المصادر بالتأكيد أنّ هذا التوثيق لا يُعدّ تحريضاً ولا تصعيداً، بل هو الحدّ الأدنى من الواجب الوطني لإبلاغ المجتمع الدولي بحقيقة ما يجري، وتثبيت حق لبنان في المطالبة بالمحاسبة ووقف العدوان.