“ليبانون ديبايت”
ليس جديدًا على لبنان أن يعيش على وقع المبادرات الخارجية، ولا على المحيط العربي والدولي أن يربط المساعدة بتوافر الشروط السياسية والمؤسساتية. لكن الجديد في الحراك السعودي الأخير أنه يأتي هذه المرة من بوابة مختلفة كليًا: بوابة الدولة لا الزواريب، المؤسسات لا التسويات، والإنقاذ الحقيقي لا المسكنات المؤقتة.
وفي هذا السياق، يبرز الدور الذي يقوم به الموفد السعودي الأمير يزيد بن فرحان كعنوان واضح لمقاربة الرياض تجاه لبنان، وهي مقاربة تقوم على احترام الدولة اللبنانية ومؤسساتها الدستورية، والتعامل مع بيروت بمنطق “دولة لدولة”، بعيدًا عن أي محاولة للغرق في التفاصيل الصغيرة أو الدخول في اشتباكات الساحة اللبنانية وحساباتها اليومية.
وتُقرأ الرسالة السعودية، كما تنقلها الأوساط السياسية المتابعة، على أنها بالغة الوضوح: لا طريق إلى إنقاذ لبنان من أزمته العميقة من دون العودة إلى قيام دولة مكتملة الأوصاف، يكون فيها القرار واحدًا، والمرجعية واحدة، والمؤسسات هي صاحبة السلطة الفعلية، فيما يبقى السلاح محصورًا بيد الدولة وحدها، باعتباره شرطًا سياديًا لا يمكن القفز فوقه أو مقايضته بأي تسويات ظرفية.
وفي هذا الإطار، أكدت مرجعية لبنانية أساسية لـ”ليبانون ديبايت” أن الحراك السعودي في لبنان لا يحمل طابع التدخل، بل يقوم على تثبيت بديهيات الدولة، وفي مقدّمها مسار حصر السلاح بيد الشرعية والإمساك الفعلي بالمؤسسات، باعتبارهما المدخل الوحيد لإعادة فتح باب المساندة العربية والدولية بطريقة جدية ومستدامة.
وبحسب هذه المقاربة، فإن ملف السلاح ليس تفصيلًا سياسيًا عابرًا، بل مسارًا مصيريًا يتصل مباشرة بإمكانية استعادة الدولة لهيبتها، وقدرتها على فرض سلطتها على كامل أراضيها، وضمان استقرارها الداخلي، وتثبيت موقعها الطبيعي في محيطها العربي والدولي. ومن هنا، تضع السعودية هذا الملف في صلب رؤيتها، ليس من باب الضغط أو المزايدة، بل من باب إعادة لبنان إلى منطق الدولة القادرة، لأن أي دعم خارجي، مهما بلغ حجمه، يبقى عاجزًا عن إحداث أثر فعلي في ظل واقع مزدوج يقيّد المؤسسات ويحوّلها إلى شكل بلا مضمون.
وفي الوقت نفسه، لا يفصل الحراك السعودي بين مسار السيادة ومسار الإصلاح. فالإصلاح بالنسبة للرياض ليس بندًا تقنيًا ولا عنوانًا إعلاميًا، بل شرطًا جوهريًا لإعادة بناء الثقة بالدولة اللبنانية، داخليًا وخارجيًا، وفتح الباب أمام أي مساعدة عربية أو دولية على قاعدة الاستدامة والشفافية والمحاسبة. وتؤكد المقاربة السعودية أن الأزمة اللبنانية لم تعد أزمة مالية فقط، بل أزمة حكم وإدارة ومؤسسات، وأن الخروج منها يتطلب إصلاحًا فعليًا يطال جوهر الدولة لا قشورها.
وتشير مصادر متابعة إلى أن ما يميّز الدور الذي يجسده الأمير يزيد بن فرحان هو الهدوء في الأداء والوضوح في الهدف، بعيدًا عن أي محاولة للتدخل في الخيارات الداخلية أو الاصطفاف ضمن محاور محلية. فالسعودية، وفق هذه القراءة، لا تتعامل مع لبنان كملف نفوذ، ولا تبحث عن أدوات داخلية، ولا تدخل في بازار المحاصصات، بل تطرح معادلة واضحة: بناء الدولة أولًا، ومن ثم تأتي المساندة بشكل طبيعي، بما يتيح للأسرة العربية والمجتمع الدولي الاستثمار في لبنان بثقة بدل ضخ الدعم في مسار مفتوح على الهدر والفشل.
وفي لحظة إقليمية شديدة الحساسية، حيث تتراكم الأكلاف على لبنان مع كل تأخير، تبدو المقاربة السعودية بمثابة نافذة جدية للخروج من منطق الدوران في الحلقة المفرغة. فهي لا تغلق الباب أمام لبنان، بل تفتحه على قاعدة واحدة: عندما يتحول لبنان إلى دولة فعلية، يصبح قابلًا للمساعدة، وقادرًا على استعادة دوره وموقعه، بدل أن يبقى ساحة مستنزفة للأزمات والتجاذبات.
وعليه، فإن ما تقوم به المملكة اليوم لا يمكن اختزاله بزيارة أو لقاء أو رسالة دبلوماسية، بل هو مسار سياسي متكامل عنوانه احترام المؤسسات اللبنانية، وترسيخ مفهوم الدولة، وتثبيت قاعدة “سلاح واحد وإصلاح واحد”، كمدخل وحيد نحو بلد سويّ يمكن للعرب والعالم دعمه بثقة، لا بحذر.