"ليبانون ديبايت"
في ظل التحولات المتسارعة على الساحة السورية، وتراجع أدوار بعض القوى الفاعلة في شمال وشرق البلاد، تتكشف معالم مرحلة جديدة عنوانها إعادة رسم التوازنات الداخلية والإقليمية. وفي هذا السياق، يقدّم الكاتب والمحلل السياسي توفيق شومان قراءة معمّقة في دلالات ما جرى مع تنظيم قوات سوريا الديمقراطية، وانعكاساته على الداخل السوري، كما على دول الجوار، ولا سيما لبنان، محذّراً من أثمان سياسية وأمنية يجري تحضيرها في الكواليس.
ويؤكد شومان، في حديث إلى "ليبانون ديبايت"، أن ما حصل مع تنظيم قوات سوريا الديمقراطية (قسد) جاء نتيجة تعاون تركي وسعودي وقطري، إضافة إلى غطاء أميركي. ويذكّر بالتصريحات التي أدلى بها توم براك، الموفد الأميركي إلى سوريا، والتي أكد فيها أن دور "قسد" قد انتهى، وأن الدور الذي أدته خلال السنوات الماضية كان مرتبطاً حصراً بمقاربة ملف تنظيم داعش، وقد انتهت هذه المرحلة. ويخلص من ذلك إلى أن على "قسد" اليوم أن تنضوي في إطار الدولة السورية، وأن تُعالَج ضمن السياق السوري العام.
من حيث المبدأ، يرى شومان أن رهان قوات سوريا الديمقراطية، وتحديداً نواتها الكردية، على السياسات الخارجية يعيد إلى الذاكرة محطات كردية عديدة. فمنذ ما بعد الحرب العالمية الثانية، كان هناك دائماً رهان على الخارج، وغالباً ما دفع الأكراد ثمن هذا الرهان. المثال الأبرز كان قيام جمهورية كردية بدعم سوفياتي، هي جمهورية مهاباد، التي لم تعمّر طويلاً، وكان مصطفى البرزاني، والد مسعود البرزاني، قائدها العسكري. وبعد تسوية إيرانية – روسية، دفع الأكراد ثمن هذه التجربة. وتكرر الأمر نفسه في العراق في سبعينيات القرن الماضي، ويتكرر اليوم في الحالة السورية.
ويعتبر شومان أن هذه الرهانات الخارجية غالباً ما تنتهي بوعود يتم التراجع عنها لاحقاً، لتتبيّن على أنها وعود واهية، لا هدف لها سوى استخدام المكوّن الكردي في صراعات إقليمية وداخلية، وهو أمر بالغ السوء.
ومن زاوية أخرى، يشير إلى أن الجيش السوري الجديد بسط سيطرته على مساحة جغرافية واسعة في شمال وشرق البلاد، تزيد على سبعين ألف كيلومتر مربع، شملت مناطق رئيسية مثل الرقة التي تبلغ مساحتها نحو عشرين ألف كيلومتر مربع، والحسكة نحو ثلاثة وعشرين ألف كيلومتر مربع، ودير الزور نحو ثلاثة وثلاثين ألف كيلومتر مربع. ويعني ذلك، برأيه، تعزيز موقع السلطة السورية على المستويات السياسية والشعبية والأمنية.
ويسلط شومان الضوء على إسقاط مشروع الفيدرالية في المناطق التي كان يطالب بها تنظيم قوات سوريا الديمقراطية، لكنه يتساءل عمّا إذا كان هذا المسار سينسحب أيضاً على محافظة السويداء. ويرجّح أن يكون ذلك وارداً جداً، إذ تشير المعطيات المتوافرة إلى أن واشنطن تدير حواراً بين بعض مشايخ السويداء وبعض الوجوه السياسية السورية، من دون أن تفضي هذه الحوارات حتى الآن إلى نتائج واضحة، إلا أن الاتجاه العام يوحي بأن الأمور قد تسير في هذا المسار، ما يرجّح امتداد هذا الخيار إلى السويداء.
ويعتبر أن سقوط مشروع الفيدرالية في شمال وشرق سوريا، واحتمال انسحابه على الساحل السوري والسويداء، يشكّل مكاسب حققتها السلطة السياسية الجديدة في دمشق. لكنه يطرح السؤال الجوهري: ماذا ستدفع هذه السلطة في المقابل؟ فـ"في السياسة، لا يوجد شيء مجاني".
من هنا، بدأ الحديث عن أن ثمن هذه المكاسب قد يكون تفاهمات أمنية مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، تقضي بتحويل جنوب سوريا إلى منطقة عازلة منزوعة السلاح، وبالتالي تحويلها إلى منطقة اقتصادية وسياحية. ويشير شومان إلى أن هذا المشروع كان مطروحاً في الأعوام 2004 و2006، ويبدو أنه يُعاد إحياؤه اليوم، ولكن ضمن نطاق جغرافي أوسع.
وتشير المعطيات، وفق شومان، إلى أن انتشار الجيش السوري في الجنوب سيكون محدوداً من حيث العدد والعدة والعتاد. كما تبقى هناك مسألتان عالقتان: الأولى مطالبة إسرائيل بممر إنساني إلى محافظة السويداء، والثانية ما يُسمّى بحرية الحركة، أو بالأصح حرية الاعتداء على الأراضي السورية. ويرجّح أن المفاوضات الجارية حالياً في واشنطن تكاد تنحصر بهاتين المسألتين.
ويؤكد شومان أن المكاسب التي تحققت على حساب تنظيم قوات سوريا الديمقراطية، سواء عبر احتوائه أو تقليص نفوذه، ستكون لها أكلاف كبيرة، مرتبطة أساساً بالتفاهمات الأمنية والاقتصادية التي تُحضَّر في الجنوب السوري.
وفي حال اقتراب هذا السيناريو من التحقق، يبرز سؤال أساسي حول انعكاساته على لبنان. وفي هذا الإطار، يرى شومان أن تعزيز الإدارة الجديدة في سوريا قد ينعكس سلباً على لبنان، سواء على مستوى الدولة اللبنانية أو على مستوى المقاومة، ما يشكّل عامل ضغط إضافياً، سواء في ملف ترسيم الحدود، أو ملف الموقوفين السوريين، أو الودائع المالية. ويضيف إلى ذلك ما يُشاع عن وجود نحو مئتي ضابط سوري، ما يشكّل أيضاً عناصر ضغط سورية على لبنان.
ويخلص شومان إلى ضرورة التحلي بالحذر، مؤكداً أن هذه الأسئلة مطروحة بقوة في الأوساط السياسية الضيقة في لبنان، ولا سيما في ما يتعلق بتداعيات المكاسب التي تحققت في شمال وشرق سوريا. ويشير إلى أن المعطى الأساسي يتمثل في أن الترتيبات والاتفاقيات المشتركة بين دمشق ودولة الاحتلال الإسرائيلي قد تشكّل نموذجاً للتفاهمات التي تريد إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية فرضها على لبنان، بمعنى "سوريا أولاً ولبنان ثانياً"، وفق الأجندة الأميركية – الإسرائيلية.