المسألة لا تتعلق بشخص الموفد المدني الفرنسي ولا باسمه ولا بخلفيته، بل بجوهر الميكانيزم نفسها، بوصفها نتاجا سياسيا وأمنيا لقرار وقف إطلاق النار في تشرين الثاني عام 2024، القرار الذي لم تعد إسرائيل معنية بالحفاظ عليه، ولا بتطبيقه، ولا حتى بالاعتراف الضمني بأنه ما زال قائماً.
ما يجري عملياً، بحسب مصادر قيادية في الثنائي الشيعي، هو محاولة إسرائيلية منهجية لإفراغ هذا القرار من مضمونه، واستبداله بآلية تفاوض جديدة، تُعاد صياغتها وفق ميزان القوى الذي تعتقد تل أبيب أنه بات يميل لصالحها بعد التحولات الإقليمية الأخيرة.
لبنان، عندما وافق على إدخال موفد مدني إلى لجنة الميكانيزم، كان يسعى للدفاع أولاً عن الصيغة القائمة لأن الأفكار الأخرى التي كانت مطروحة تتخطى الميكانيزم، وثانياً عن فكرة أن قرار وقف إطلاق النار ما زال الإطار الوحيد الممكن للتطبيق بعد التزام لبنان به. كان هذا الخيار، في الحساب اللبناني، محاولة لترميم الآلية لا نسفها، وتحصين الاتفاق ومحاولة الزام اسرائيل به. لكن المشكلة أن الطرف الآخر قرأ هذه الخطوة قراءة معاكسة، ورأى فيها ثغرة يمكن توسيعها، ومدخلًا لإعادة فتح النقاش من نقطة الصفر.
اللافت بحسب المصادر أن الولايات المتحدة، التي عارضت هذه الفكرة في بداياتها، عادت وقبلت بها لاحقا لأنها رأت فيها الخطوة الأولى في مسار أوسع تسعى إليه منذ انتهاء الحرب. مسار يشبه إلى حد بعيد ما قامت به في الساحة السورية، حين أنشأت مؤخراً آلية تنسيق بين السوريين والإسرائيليين عبر لجنة ثلاثية، بعد تفاوض سياسي مباشر، ومرّت تحت عناوين خادعة من قبيل "التنسيق لمنع الاحتكاك".
ترى المصادر عبر "ليبانون ديبايت" أن الهدف الأميركي اليوم هو دفع لبنان إلى تقديم تنازل جديد، نوعي هذه المرة، من خلال تقليص حجم اللجنة، تحويلها إلى لجنة ثلاثية، ثم رفع مستوى التمثيل فيها، وصولاً إلى تفاوض سياسي مباشر، بغطاء أمني، وبمباركة دولية، وتحت ذريعة حماية لبنان ومنع الحرب عنه.
وفي هذا السياق تكشف المصادر عن نصائح تُقدَّم للبنان لرفع مستوى تمثيله في المفاوضات مع إسرائيل، وهذه النصائح تأخذ تارة صيغة الترهيب، وتارة صيغة الترغيب، وفيها أن الاسرائيلي يرغب بالحرب ولأجل إبعاد هذا الخيار لا بد من تقديم تنازلات جديدة، وفيها أيضاً أنه إذا أراد لبنان الحصول على الدعم الأميركي والدولي للضغط على اسرائيل فعلى لبنان أن يسلك الطريق نفسه الذي سلكه السوريون بعد سقوط النظام السابق، علماً أن التجربة تُظهر عدم احترام سوريا وسيادتها وامنها رغم كل ما تقدمه في هذا السياق.
لكن السؤال الجوهري، هو مقابل ماذا؟ ماذا سيحصل لبنان في حال قدّم هذا التنازل الجديد، وهو الذي قدّم سابقا سلسلة تنازلات، لم يُقابل أي منها بخطوة إسرائيلية واحدة، فلا انسحاب، لا وقف اعتداءات، لا التزام بملف الأسرى، لا فتح باب لإعادة الإعمار، ولا حتى احترام شكلي لسيادة لبنان، وهذا السؤال الذي لا يجد جواباً عند المعنيين بالملف التفاوضي.
لبنان اليوم يعاني احتلالًا فعليا، وعدوانا يوميا، وحصارا غير معلن على ملف إعادة الإعمار، ورفضا فاضحا لأي مقاربة إنسانية لملف الأسرى، ورغم ذلك يُطلب منه أن يتنازل أكثر، ليس من أجل تحصيل حقوقه التي يطالب بها، بل لإبعاد شبح "التهديد بالحرب" فقط.
ترى المصادر أنه إذا كانت كل هذه التنازلات تُقدَّم فقط لتأجيل حرب قد لا تقع أصلًا، فما الذي يتبقى للبنان من أوراق قوة وكيف يمكن له أن يحقق مطالبه، وهنا أصل الخلاف بين الثنائي الشيعي ورئاسة الجمهورية والحكومة، إذ من حق الثنائي أن يسأل كيف نفاوض ولأجل ماذا وما هي الأوراق التي يمكن للبنان أن يحملها على أي طاولة تفاوض، وما هي الضمانات مقابل حصر السلاح، وهل يجوز استكمال خطة حصر السلاح وكأن الاحتلال غير موجود والقتل لا يحصل كل يوم؟
من هنا تؤكد المصادر أن الانخراط في آلية تفاوضية دون ضمانات، ودون أثمان مقابلة، ودون أوراق قوة يشكل السلاح أحد أبرز عناوينها، سيؤدي إلى تعرية لبنان ونتيجته ستكون مزيدا من التنازلات التي لن تُعيد الأرض ولن توقف القتل ولن تحرر الأسرى.