دوت في اليومين الماضيين أصوات مواطنين ينتمون الى الطائفة الشيعية- تمنوا لدولة الرئيس نبيه بري طول العمر، وتمنوا لأنفسهم الخلاص من حربٍ عبثية تصيبهم في الصميم. عرّف هؤلاء عن أنفسهم: "الأمليون". بعضهم كتب شجونه وحذف. والبعض كتب ومضى. والبعض الآخر كتب ويُصرّ: "نحنا شاطرين نطلع نحكي وكأنو مش نحنا يلي فتحنا معركة مش قدا دون أن نأخذ رأي أحد (...) فلنعترف، نحن لسنا أول من يخسر معركة في التاريخ". صوّر "حبيب القلب دولة الرئيس نبيه بري" التي تزايدت كثيراً في الضاحية الجنوبية في الآونة الأخيرة ترافقت- عبر السوشال ميديا- مع أغنيات أعدّت له: "يا شامخ بأزراتنا جبين السما حدودك، إنت صدى حكاياتنا ما بينتهي صمودك، عقلوبنا طليت يا قمر ما إلو غياب". هناك من رأى بذلك "حالة إعتراضية" تجاه "حزب الله" ممن يُقسمون بولائهم لدولته، معترضين على من يصرون على إبقائهم غارقين "في الشعارات والوهم"؟ حالة تتزايد. فهل من كلمة سرّ سرت بين "الأمليين"؟ هل إعتراض هؤلاء حقيقي؟ وماذا قد يبقى من "أمل" إذا انتهى "حزب الله"؟ هل ما نراه ونسمعه يستحقّ الوقوف عنده؟ وبكلامٍ أدلّ، هل بدأت المواجهة بين جيش "أمل" الإلكتروني وجيش "حزب الله" العسكري؟
"ليبانون ديبايت"-نوال نصر
من المبكر الكلام عن مواجهة. العارفون في بيئة "الثنائي" يبصمون بذلك لأكثر من سبب، أولها، أن إنتهاء "الحزب" ليس معناه سطوع "الحركة". فلنبدأ من هنا. نبيه بري "مبرد الاجواء" الدائم عند كلّ إرتكابٍ يمارسه "الحزب" لا يتخلى أبداً عن إبتسامته. الرجل ماهر في اللعبة السياسية منذ أكثر من اربعين عاماُ. وهو، في الشكلِ، لا يزال قادراً على العزف ديبلوماسياً "سولو". لكن، ماذا في الواقع؟ هل تكفي إبتسامة الرجل لضبط الأرض بين بعبدا وحارة حريك وبين حارة حريك وعين التينة؟
ما رأي المحلل السياسي والكاتب علي الأمين بالأصوات "الأملية" المعترضة- بشكلٍ متزايد- على أداء "الحزب"؟ يجيب "في المبدأ، شرايين الطرفين مترابطة، ونهاية أي طرف قد تؤدي إلى تحجيم وظيفة الآخر. الترابط كبير. فنبيه بري لعب في آخر عشرين عاماً، وتحديداً منذ العام 2005، وظيفة معينة حددها له "الحزب"- والإيراني- لاعباً دور الطرف الشيعي الذي يمكن- عند كل مطب- الحديث معه. أعوامٌ طويلة مديدة مرّت لم يحصل فيها أي مشكلة في العمق. سنينٌ لعب فيها الطرفان تحت السقف الإيراني. ودور نبيه بري المتعاظم لم تستفد منه "الحركة". كانت هي تضعف وهو يكبر، حتى أصبح حاجة إقليمية ودولية".
نعم، نبيه بري اليوم حاجة. الرجل حاجة سياسية محلية وإقليمية وحتى دولية، وحاجة ملحة جدا جدا في بيئته أيضاً. علماً- وهو ما يجهله كثيرون- أن "الحزب" كان يفكر قبيل إندلاع الحرب الأخيرة في مصير "الحركة" بعد نبيه بري. هذا السيناريو بُحث في مجالس "حزب الله" الداخلية تحت عنوان: كيف يمكن التعامل مع إرث نبيه بري؟ لكن، كل شيء تغير، والسؤال إستبدل في مجالس "أمل" اليوم: كيف يمكن التعامل مع المرحلة التي ستلي "الحزب"؟ إنقلبت الصورة رأساً على عقب.
قبة باط
فلنتابع. يرى المراقبون ان من يتجرأ اليوم، في البيئة الشيعية المحسوبة على الثنائي، على "التململ" يحوز غطاءً، من "الحركة" التي تمارس شكل من أشكال "قبة الإبط" بحسب مصالحها. فالبارحة، بعد أن "هبّ" من هبوا من أولاد الطائفة الشيعية متجاوزين كل الحدود في إنتقاد رئيس الجمهورية جوزاف عون، أعطت "أمل" من يوالونها "الأمان" بالهجوم "أونلاين" على النهج المعتمد. هي بالتالي حالة إعتراضية موجودة لكنها ستظل تستخدم الى أجلٍ "غبّ الطلب".
فلنعد الى علي الأمين لسؤاله عن الشارع الشيعي المتململ عموماً؟ يجيب: "هناك بالطبع تباين كبير. الناس يشعرون بالقلق والإختناق ويريدون الخلاص لكن التغيير يحتاج الى جرأة ومقومات. قدرة هؤلاء على التغيير ليست متاحة حتى هذه اللحظة. الناس، بكلامٍ آخر، يبحثون عن الأمان. هم وقفوا الى جانب حزب الله لأنه شكّل لهم- فترة طويلة- شكلاً من أشكال الأمان. لكن، في الآونة الأخيرة، بعدما تحولت الغارات الإسرائيلية من ضربات جراحية الى ضربات تمسّ المدنيين، بدأت ترتفع الأصوات أكثر. وهنا، يهم القول أن حركة أمل تساير عادة الجوّ الشعبي، تمشي وراءه، ولا تصنعه. أما "الحزب" فمختلف هو يصنع الجوّ الشعبي".
"أمل"... "أملات"؟
لا "أمل" بلا نبيه بري. "الحركة بعد نبيه بري ستتحول- بحسب الأمين- الى "حركات أمل"، الى مجموعات قوى، لأن لا رقم إثنين اليوم في "الحركة" ولا حتى ثلاثة أو أربعة. هناك نبيه بري وبعده رقم 5 وما دون. فمن يليه في المرتبة يشبه كل الآخرين: قبلان قبلان، وعلي حسن خليل، وهاني قبيسي، وأحمد بعلبكي... لا أحد قادر أن يحلّ مكان نبيه بري. لذا كل الاصوات "المحبة" تتمنى له اليوم طول العمر. مع العلم أن المعادلات كلها اختلفت. ونبيه بري الذي كان في موقع الرابح دائماً على مدى أكثر من عقود أربعة فهذا سيكون- في المرحلة المقبلة- صعباً. فالتغيرات كبيرة. والرجل- أطال الله في عمره- ليس في بداياته وهو ذاهب الى خاتمة لا الى نهضة".
إذا، نشعر وكأن السؤال يفترض أن يكون: ماذا بعد حزب الله وأمل؟ الرهان اليوم، بحسب الأمين، هو تعزيز هيبة الدولة. المطلوب أن يعتاد المواطن أن أمانه لن يجده إلا في الدولة ومؤسساتها. لكن، للأسف، لا يزال المواطن يشعر حتى هذه اللحظة بأن السلطة غير موجودة إلا عند "الحزب". لا حواجز للجيش. سيارات بلا لوحات. صحيح أن الجيش اللبناني يقوم بمهمات كبيرة غير أن ما يستشعر به المواطن البسيط هو وجود حزب الله فقط الذي يستمر في توفير الخيار الآمن له".
هل صعب أن نرى "أمل" بلا "حزب الله"؟ سؤالٌ نكرره على متابعين.
ما يراه المراقبون هو أن في بنية "أمل" ما سيجعلها تتداعى في لحظة سقوط "حزب الله". ستتحول الى مجموعات. وهذا ما يستشعر به أبناء الطائفة. ثمة شعور بنكبة شيعية وحالة فوضى ريثما تحين لحظة ولادة شيء ما. فالطبيعة لا تقبل الفراغ. هناك طبعا أصوات إعتراضية، وهناك حالات تكبر، لكن ثمة أناس طارئين أيضاً مهمتهم تفخيخ هذه الحالات من الداخل. هي حالات تعرف بـ "غبّ الطلب". وبالتالي، الخيارات الشيعية البديلة ليست- حتى اليوم- على جدول الأعمال الجدي. على الرغم من الحاجة الملحة الة تشكيل خيارات جديدة.
الطائف والفرصة الذهبية
طبعاً، الدور السياسي المحوري الذي لعبه- وما زال- نبيه بري، وازاه تاريخياً خروج قيادات من "حركة المحرومين"- أو حركة "العدالة" كما كان يحلو للسيد موسى الصدر أن يعيد تسميتها. وأحد هؤلاء الخارجين من رحم "الحركة" يقول: "من يقرأ ورقة العمل الشيعية التي وضعها العام 1977 السيد موسى ويقرأ اتفاق الطائف يرى أن سبعين في المئة منه مستمد منها. ويعود الفضل في ذلك الى الرئيس حسين الحسيني، الذي كان من أبرز المشاركين في وضع ورقة عام 1977، وأسهم في إقرار تفاصيل اتفاق الطائف. تحقق برنامج الحركة في الطائف ولم يبق إلا التطبيق. ووصلت أمل الى أعلى موقع تشريعي، وكانت موجودة في أهم الوزارات وفي النيابات. كان لزاما على "الحركيين" تنفيذ الطائف الذي هو في الأساس وثيقة أمل.
لكننا، في الحركة، لم ننفذ الوثيقة. لم نمنع الحرمان. استطاعت الحركة القيام، من خلال مجلس الجنوب، ببعض المشاريع الاعمارية لكن هل خففت هجرة أهالي القرى الى المدينة؟ هل أنهت حزام البؤس عن الضاحية؟ هل منعت أو واجهت الحرمان في البقاع؟ أم دخلنا في دوامة النفوذ والمصالح؟ تطبيق الطائف كان فرصتنا الذهبية وخسرناها. واليوم لن تكون "أمل" أيضاً جاهزة في زمن التغيير".
كل شيء يتغير. والأقوى في المرحلة المقبلة هو من يمتلك "الجهوزية" و"النوايا" و"القدرة" طبعاً على التأسيس لـ "بكرا". فلنراقب.