منذ خطاب القَسَم الرئاسي، شدّد الرئيس عون على سيادة الشرعية اللبنانية على كامل الأراضي، في مقابل عقيدة الحزب التي تضع سلاحه في مرتبة الأولوية، بمعزل عن أي قرار رسمي أو تسوية داخلية. هذا التباين البنيوي، يُنذر بوضع حدودٍ واضحة لأي وساطة، ويحوّلها إلى مجرّد إدارة للأزمة، بمعنى أن لا حلّ لها، على الأقل في المدى الزمني المنظور. ولدى توصيفها لما شهدته العلاقة بين الرئيس عون والحزب في الأسبوع الماضي، تجزم مصادر نيابية محايدة، بأن الأزمة ليست خلافاً سياسياً عابراً، بل صراعاً على تعريف الدولة نفسها: هل هي المرجعية الوحيدة للسلاح أم مجرّد مظلّة سياسية فوق واقع ميداني يفرضه الحزب؟
وبرأي المصادر النيابية، فإن وساطة رئيس المجلس، نجحت في خفض منسوب الإشتباك الإعلامي، وأعادت ضبط إيقاع الخطاب السياسي، بحيث ظهر أحد نواب "حزب الله" إلى الإعلام بالأمس، بأسلوب أكثر هدوءاً في عرض أسباب الخلاف، وإن كان اكتفى بوضع "ارتفاع النبرة"، في سياق التعبير بأسلوب مختلف.
بهذا المعنى، تجد المصادر النيابية المحايدة، أن الخرق الجدّي لم يحصل بعد، إذ بقيت الأزمة في إطار "تسوية مؤقتة"، بينما الحل النهائي يتطلّب مساراً طويلاً من النقاش حول مستقبل الدولة وسلاح الحزب.
وعليه، فإن انعكاسات استمرار الخلاف تتجاوز حدود العلاقة الثنائية بين الرئاسة والحزب، حيث تقول المصادر النيابية، إنه على الصعيد الداخلي، يضعف هذا التباين قدرة الدولة على إنتاج موقف موحّد في مواجهة التحديات الأمنية والإقتصادية، كما أنه بالنسبة للمؤسسة العسكرية، فإن إصرار رئيس الجمهورية على حصر السلاح يعزّز موقع الجيش كمرجعية شرعية، لكنه يضعه في الوقت نفسه في موقع المواجهة مباشرة مع عقيدة الحزب، ما يهدّد بتآكل الثقة المتبادلة.
أما على مستوى الإستقرار الوطني، فتعترف المصادر، أن التهدئة الحالية قد تمنع انفجاراً آنياً للخلاف، لكنها لا تضمن تهدئةً طويلة الأمد، بل تترك الساحة، وربما الشارع أيضاً، أمام احتمال جولات جديدة من التصعيد عند المنعطف الذي ستصل إليه بعد أيامٍ معدودة خطة حصر السلاح، مع اقتراب موعد التقرير التالي لقائد الجيش رودولف هيكل حول هذه الخطة في مجلس الوزراء.
قد تكون زيارة الرئيس بري إلى قصر بعبدا من جهة، واتصالاته مع الحزب من جهةٍ أخرى، قد أطفأت نار الإشتباك، إلاّ أن المصادر تقرّ بوجود صعوبات أمامه لجهة تغيير قواعد اللعبة، بعدما بات من المؤكد بأن الأزمة الراهنة تكشف أن لبنان يعيش على تسويات مؤقتة، فيما التحدّي الحقيقي يبقى في تحويل هذه الوساطات من إدارة للأزمات إلى صناعة حلول دائمة، ترتكز على الرؤية الموحّدة للدولة.