يراقب الشرق الأوسط منسوب التصعيد المتصاعد حول إيران، وسط مؤشرات متزايدة على أن الجيش الأميركي يقترب من استكمال استعداداته لسيناريو ضربة عسكرية محتملة. وفي هذا السياق، نشرت صحيفة “معاريف” الإسرائيلية تقريراً تحليلياً للكاتب أفي أشكنازي، تناول فيه شكل الهجوم إذا حصل، واحتمالات ردّ طهران، وقدراتها الفعلية على الصمود أو تنفيذ رد واسع.
ويبدأ أشكنازي تقريره بالتأكيد على نقطتين أساسيتين: لا أحد يعرف متى قد تتحرك واشنطن لضرب إيران، أو ما إذا كانت الضربة ستحدث أصلاً، كما أن شكلها وطبيعتها يبقيان غير محسومين بالكامل.
وبحسب ما يعرضه الكاتب، فإن صورة التحضيرات الأميركية الحالية توحي بتجميع قوة جوية وبحرية ضخمة في المنطقة، تضم حاملات طائرات وسفناً حربية وأسراب قاذفات استراتيجية، إلى جانب طائرات مقاتلة من طرازات مختلفة وطائرات مسيّرة وسفن صواريخ، فضلاً عن منصات تمتلك قدرات سيبرانية وحرب إلكترونية ولوجستية، ما يعكس استعداداً لعملية واسعة ومتعددة الأذرع.
ويشير أشكنازي إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وفق ما هو معروف عنه حتى الآن، لا يميل إلى الدخول في حروب طويلة ومفتوحة، ولا يحب أن يظهر بمظهر الخاسر. من هنا، يرى الكاتب أن الأميركيين قد يتجهون إلى تنفيذ “موجة افتتاحية” شديدة القوة، قبل الانتقال لاحقاً إلى تصعيد تدريجي في وتيرة الضربات، في خطوة وصفها بأنها تهدف إلى إحداث صدمة أولى كبيرة ثم توسيعها لاحقاً.
وفي المقابل، يعرض تقرير معاريف ما تصفه بتقديرات إسرائيلية حول القدرات الإيرانية، مشيراً إلى أن طهران حاولت خلال الأشهر الستة الماضية ترميم جزء من قوتها العسكرية. ويقول الكاتب إن إيران حصلت على بعض الطائرات المقاتلة من روسيا، إلا أن هذه الإضافات -وفق تقديراته- لا تشكل تهديداً فعلياً للتفوق الجوي الأميركي، ولا حتى للتفوق الجوي الإسرائيلي إذا اضطر للتدخل.
لكن التقرير نفسه يلفت إلى أن إيران لا تزال تمتلك صناعة دفاعية كبيرة نسبياً، وتتمتع بقدرة على إنتاج منظومات صاروخية ومنصات إطلاق ومنظومات دفاع جوي وطائرات مسيّرة. كما يرجح أشكنازي أن طهران قد تتلقى دعماً في قطع التصنيع من الصين وكوريا الشمالية، إلا أنه يعتبر أنها ما زالت بعيدة عن الجهوزية لخوض حرب شاملة، خصوصاً في مواجهة القوة الأميركية الهائلة.
وفي ما يخص الدفاعات الإيرانية، يشير الكاتب إلى أن الإيرانيين يعملون، على ما يبدو، على إعادة تجميع ما تبقى من منظومات الدفاع الجوي التي لم تتضرر خلال الحرب السابقة، وإعادة نشرها حول طهران ومواقع يعتبرونها ذات أولوية استراتيجية.
أما في ملف الصواريخ الباليستية، فيرى أفي أشكنازي في تقريره أن المشكلة الأساسية لدى إيران ليست في عدد الصواريخ فقط، بل في قدرتها التشغيلية على إطلاقها بشكل متواصل. وبحسب ما نقلته “معاريف” عن تقديرات إسرائيلية، فإن إيران تمتلك ما بين 1500 و2000 صاروخ، لكنها تملك أقل من 100 منصة إطلاق، فيما جزء كبير من هذه الصواريخ يعمل بالوقود السائل، ما يعني أن عملية تزويده بالوقود تستغرق وقتاً طويلاً، وتُبطئ وتيرة الإطلاق، وتُبقي الصواريخ مكشوفة على الأرض لفترة طويلة، وبالتالي أكثر عرضة للاستهداف قبل إطلاقها.
ومن هذه الزاوية، يخلص التقرير إلى أن الأميركيين قد يبنون خطة هجومية واسعة ومتنوعة الأهداف، بحيث تشمل الضربات ليس فقط منشآت محددة، بل أيضاً ضرب قدرات الرد الإيرانية وشل بنيتها العسكرية بطريقة تقلل من قدرتها على الرد المتماسك خلال الساعات الأولى.
ويلفت أشكنازي أيضاً إلى أن ترامب كان قد عاد أمس للتباهي -بحسب تعبيره- بأداة استخدمتها واشنطن خلال عملية السيطرة على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، مشيراً إلى وسيلة ساهمت في تعطيل أنظمة الدفاع الجوي في فنزويلا أثناء العملية، ما يُرجح أن يكون متعلقاً بقدرات حرب إلكترونية، في إشارة إلى احتمال دمج هذا النوع من الوسائل في أي ضربة مستقبلية ضد إيران.
وفي انتظار ما إذا كانت واشنطن ستنفّذ الهجوم أم لا، يشير تقرير “معاريف” إلى أن إسرائيل تواصل في الوقت نفسه إزالة ما تصفه بـ”التهديدات المرتبطة بوكلاء إيران”، خصوصاً في لبنان، حيث نفذ سلاح الجو الإسرائيلي سلسلة غارات خلال الساعات الماضية، بينها ثلاث ضربات، بما في ذلك في البقاع، بهدف تقليص الخيارات المتاحة أمام طهران لفتح جبهات ضغط إضافية على إسرائيل من خارج إيران.
ويختم الكاتب أفي أشكنازي تقريره بالتأكيد أن مستوى التوتر في المنطقة يتصاعد، وأن ترامب يبقي أوراقه قريبة من صدره، فيما يبقى من غير الواضح إلى أي اتجاه ستذهب هذه الخطة إذا اكتملت. وفي إسرائيل، يقول التقرير إن حالة الاستنفار قائمة، لكن مع الحفاظ على إدارة الوضع وفق منطق الترقب والاستعداد، بالتوازي مع استمرار الحياة اليومية قدر الإمكان.