"ليبانون ديبايت" - محمد علوش
أثار موقف حزب الله، كما عبّر عنه الشيخ نعيم قاسم، موجة غضب واعتراض في الداخل اللبناني، لا سيما مع استخدام تعبير “التدخل” في سياق أي حرب محتملة على إيران. هذا الغضب، سواء كان نابعاً من خوف حقيقي أو من توظيف سياسي مقصود، يعكس حساسية لبنانية عالية تجاه فكرة “الإسناد”، التي باتت مرفوضة شعبياً، خصوصاً إذا لم تُقدَّم بوضوح على أنها منطلقة أولاً وأخيراً من مصلحة لبنان، لا من اعتبارات خارجية ولا من التزامات أيديولوجية. في هذا المناخ المشحون، يصبح لزاماً تفكيك الموقف بعيداً عن الانفعال، وقراءته في إطاره الاستراتيجي.
قول الحزب “لسنا على الحياد، وسنقرّر وفق الظروف إن كنا سنتدخل أم لا”، ليس إعلان حرب ولا تعهداً مسبقاً بالانخراط فيها، بل محاولة لتوصيف دقيق لطبيعة المرحلة. فهذا الموقف يوازن بين أمرين: رفض الحياد في معركة يُعاد فيها رسم شكل المنطقة، وهذا الرفض لا يتعلق بالعمل العسكري فقط بل بكل أشكال الدعم، وترك القرار النهائي رهناً بظروف محددة لم تنضج بعد.
هذا التوازن المقصود هو ما أُسيء فهمه داخلياً، أو جرى تقديمه عمداً على أنه استعداد تلقائي للذهاب إلى حرب “إسناد” لإيران. المشكلة الأساسية في النقاش الدائر اليوم أنه بات يُختزل بسؤال أخلاقي: هل ندافع عن إيران أم لا؟ بينما الواقع أن السؤال الحقيقي، الذي يتجاهله كثيرون، هو: ماذا يعني إسقاط إيران على لبنان نفسه؟
الحرب المحتملة، إن وقعت، قد لا تكون حرباً لتعديل سلوك إيران أو إضعاف نظامها، بل حرباً لإسقاط رأس محور كامل عطّل لعقود المشروع الأميركي ـ الإسرائيلي في المنطقة. وبالتالي يصبح بقاء إيران، بصرف النظر عن الموقف من نظامها، بقاءَ عنصر توازن إقليمي منع إسرائيل من الانفراد بالشرق الأوسط، ومن تمددها الشامل، لا جغرافياً فحسب، بل سياسياً وأمنياً وعقائدياً. وهذا ما فهمه بعض العرب الذين حذّروا من إسقاط النظام الإيراني، لا دفاعاً عنه، بل خوفاً مما سيأتي بعده.
لبنان هنا في قلب الصورة. فسقوط إيران في حرب من هذا النوع لن يبقى حدثاً بعيداً، بل ستكون له نتائج مباشرة على الساحات المرتبطة بها، ولبنان في مقدمتها. وهذا ما تؤكده إسرائيل مراراً، وهي التي تربط لبنان وغزة وسوريا بإيران. التجربة القريبة تكشف أنه منذ أشهر، ورغم التنازلات ومحاولات التهدئة، لم يحقق لبنان أي تقدّم. إسرائيل تواصل عدوانها واحتلالها، ترفض أي تراجع، وتتصرف بلا رادع فعلي. فإذا كان هذا حالها اليوم، فكيف سيكون سلوكها غداً إذا سقط أبرز أعدائها في المنطقة؟
سقوط إيران، عملياً، يعني بالنسبة إلى لبنان إما سقوطه الكامل أو سقوط جنوبه على الأقل، من دون أفق للاستعادة. وهذا بالضبط ما يفرح أنصار الفكر التقسيمي في الداخل، الذين يرفضون أصلاً اعتبار إسرائيل عدواً، ويرون في احتلال الجنوب فرصة لبناء كيانهم الطائفي الخاص. من هنا، يصبح التدخل، إن حصل، ومع كل التشديد على كلمة “إن”، مسألة مصلحة لبنانية وجودية، لا خياراً أخلاقياً ولا فعل إسناد عاطفي، ويتحوّل إلى دفاع عن لبنان نفسه، عن كيانه وحدوده، وعن محاولة تغيير الواقع الحالي الذي يتعرض فيه لبنان لحرب يومية واحتلال وحصار.
كذلك، لا يمكن فصل ما يُحكى عن نية إسرائيل ضرب لبنان بالتزامن مع ضرب إيران، أو ربما قبل ذلك. فمن يكون قد أدخل لبنان في الحرب بهذا المعنى، علماً أنه لو كان التدخل إسناداً، لكان الحزب تدخل في حرب الـ12 يوماً في حزيران الماضي.
أما نظرية “الحياد” التي تُطرح كحل سحري، فهي تصطدم بالواقع نفسه، إذ إن الحياد يتطلب موافقة لبنان ومن هم حوله، بينما من الواضح أن إسرائيل لا تتعامل مع المنطقة على أساس ساحات منفصلة، لأنها تدرك أن الصراع واحد، وأن نتائجه ستطال الجميع.
في الخلاصة، لا يمكن قراءة موقف الحزب، رغم ما استجرّه من غضب داخلي، كدعوة مفتوحة إلى الحرب، بل كتعبير عن يقين بأن المعركة، متى وقعت، قد تطال الجميع، وقد تشكل فرصة لتغيير الوقائع. غير أن هذه الفرصة تتطلب شروطاً غير متوافرة في اللحظة الحالية. علماً أن فكرة خوض الحرب لأجل الإسناد ستلقى اعتراضات من داخل بيئة الحزب نفسها، أما إذا كانت لأجل الدفاع عن الوجود ومحاولة تغيير الوقائع، فقد تكون خياراً مطروحاً، شرط توافر القدرات اللازمة لتحقيق ذلك.