في إطار مقاربة شاملة للتطوّرات الإقليمية والدولية وانعكاساتها على لبنان، أكّد وزير الخارجية والمغتربين يوسف رجّي أنّ “الوقت ليس للبيانات والتصاريح النارية والشعارات الأيديولوجية، بل للعمل على عدم إعطاء العدو أيّ مسوّغ للمماطلة والتسويف”، مشددًا على أنّ الحلّ للأزمات القائمة “لن يكون إلا ديبلوماسيًا”.
كلام رجّي جاء خلال مشاركته في ندوة نظمها “ملتقى بيروت” بعنوان “متغيّرات إقليمية ودولية متسارعة… أين منها لبنان؟”، في حضور عدد من الشخصيات السياسية والدبلوماسية والإعلامية والفاعليات.
وفي مستهل الندوة، اعتبر رئيس الملتقى الدكتور فوزي زيدان أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة جعلت العلاقات بين الدول أكثر تعقيدًا، فيما لم تعد الأزمات محصورة جغرافيًا بل باتت مترابطة، متأثرة بموازين قوى متغيّرة وصراعات مفتوحة، لافتًا إلى أنّ الشرق الأوسط يقف عند مفترق طرق تاريخي تتقاطع فيه مصالح القوى الدولية وتتداخل فيه النزاعات.
وأشار زيدان إلى أنّ لبنان يواجه تحدّيات مصيرية تمسّ دوره واستقراره وعلاقاته العربية والدولية، ما يضع السياسة الخارجية أمام اختبار حقيقي في كيفية حماية المصالح الوطنية وتعزيز السيادة وإعادة بناء الثقة مع المجتمع الدولي. وتوقّف عند مسألة تطبيق القرار الدولي 1701، معتبرًا أنّها من أكثر العناوين حساسية في المرحلة الراهنة، ومشيرًا إلى الجدل الذي أثارته تصريحات رجّي حول آليات تطبيق القرار وحدود مسؤولية الأطراف المعنية به، والخلاف القائم بين مقاربة الدولة القائمة على الشرعية الدولية والمؤسسات، ومقاربة حزب الله التي تربط السيادة بالقدرة العسكرية وخيار المقاومة.
وفي كلمته، رأى رجّي أنّ العالم يتّجه نحو نظام دولي جديد فرضته التطورات التكنولوجية وثورة الاتصالات، متسائلًا عن موقع لبنان في خضم هذه التحوّلات. وقال إن تأمين مصالح لبنان في الخارج يتطلّب تجانسًا داخليًا واتفاقًا على أدنى أسس بناء الدولة ومؤسساتها، وإرساء سياسة واضحة وموحّدة تقوم على احترام السيادة واستقلال القرار وصون الأراضي، معتبرًا أنّ الواقعية السياسية تشكّل مدخلًا أساسيًا للاستقرار والأمن والنهوض الاقتصادي.
وأشاد رجّي بأداء رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، واصفًا إياه بـ“الوطني الشجاع والمقدام”، كما أثنى على عمل رئيس الحكومة الدكتور نوّاف سلام، مؤكدًا أنّه ينتمي إلى حكومة متجانسة تعمل بصمت وثبات رغم اختلاف الآراء، لكنها متفقة على ضرورة إيجاد حلول للقضايا الحساسة، وفي مقدّمها انسحاب القوات الإسرائيلية من النقاط الخمسة، وعدم منع الأهالي من العودة إلى منازلهم المدمّرة وإعادة بنائها، وتحرير المحتجزين اللبنانيين، ووقف انتهاكات السيادة والاعتداءات المتواصلة على الجنوب والبقاع.
وشدّد رجّي على أنّ الحلّ لن يكون عسكريًا بسبب التفاوت الكبير في ميزان القوى بين الدولة اللبنانية وإسرائيل، معتبرًا أنّ لبنان فُرض عليه تحمّل شروط قاسية لوقف إطلاق النار نتيجة “حرب الإسناد لغزة التي زُجّ بها من دون موافقة الدولة وغالبية اللبنانيين”. وأكد أنّ الدبلوماسية اللبنانية تعمل ليلًا ونهارًا على استثمار أي فرصة تصبّ في مصلحة لبنان، رغم صعوبة المسار وطوله، لافتًا إلى أنّ أي حلّ ديبلوماسي يتطلّب إصلاحات اقتصادية ومالية ووجود سلطة قوية تبسط سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية ويكون بيدها حصراً قرار الحرب والسلم.
وختم بالقول: “المطلوب عودة الجميع إلى الدولة، دولة القانون”.
وفي سياق متصل، تلقّى رجّي اتصالًا هاتفيًا من وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا هاميش فالكونير، جرى خلاله بحث آخر التطورات الإقليمية والأوضاع الأمنية في جنوب لبنان. وأعرب فالكونير عن ترحيب بلاده بالتقدّم الذي يحرزه الجيش اللبناني في حصر السلاح في المناطق الجنوبية، مؤكدًا استمرار دعم المملكة المتحدة لكل الجهود الهادفة إلى تعزيز الأمن والاستقرار في لبنان والمنطقة.
من جهته، شكر رجّي بريطانيا على دعمها المتواصل للبنان، مشددًا على ضرورة استمرار مساندة الجيش اللبناني لتمكينه من تنفيذ قرار الحكومة بحصر السلاح على كامل الأراضي اللبنانية.