"ليبانون ديبايت"-فادي عيد
الكثير من التكهّنات والتحليلات المتداولة في الأسابيع الماضية، تقاطعت عند خلاصة طيّ صفحة لجنة "الميكانيزم"، ومعها اتفاق 27 تشرين الثاني ورسم قواعد اشتباك في منطقة "ما بين النهرين"، وفتح الباب أمام أمر واقعٍ جديد، يغيب فيه عنوان "حصرية السلاح" شمال نهر الليطاني. غير أن البيان الصادر عن السفارة الأميركية في بيروت، الجمعة الماضي، حول آلية التنسيق العسكري المعتمدة ضمن "الميكانيزم"، فتح النقاش مجدداً حول طبيعة المقاربة الأميركية ودورها في إدارة التوتر على الجبهة الجنوبية، خصوصاً وأن البيان، تضمّن برنامج عمل واضحاً للجنة خلال الأشهر الأربعة المقبلة في مقرّها في الناقورة، وبالتالي، بدّد الغموض والتكهّنات بتفكيك اللجنة إستجابة لمطالب إسرائيلية بإقصاء الفرنسيين و"اليونيفيل" لمصلحة لجنة ثلاثية تضم لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة فقط.
والأكيد في هذا المجال، بحسب مصادر ديبلوماسية مواكبة، أن عودة "الميكانيزم" وتفعيل دورها، دلالة ثابتة على نجاح الديبلوماسية اللبنانية، حيث أن واشنطن تجاوبت مع الحملة التي قادها رئيس الجمهورية العماد جوزف عون، والذي شدّد في أكثر من مناسبة على ضرورة الحفاظ على اللجنة وتفعيل دورها، باعتبارها الإطار الوحيد القادر على توفير حدّ أدنى من الإستقرار، واحتواء التصعيد الإسرائيلي، ريثما تُستكمل الجهود الرامية إلى إنهاء الإحتلال الإسرائيلي لبعض التلال في جنوب لبنان.
وليس تفصيلاً أن السفارة الأميركية قد حدّدت جدولاً بالإجتماعات الخاصة باللجنة في الناقورة، على أن يكون الأول في 25 شباط، وذلك في سياق خطة عمل متكاملة، تربطها المصادر الديبلوماسية، بالمواعيد الإقليمية، ولا سيما تلك المرتبطة بمسار المفاوضات الأميركية ـ الإيرانية حول الملف النووي والصواريخ البالستية، ومستقبل أدوار طهران الإقليمية ودعمها للأذرع العسكرية خارج حدودها.
أمّا الترجمة العملية على الأرض، فتكشف المصادر عينها، عن قرارٍ أميركي بإبقاء الساحة اللبنانية تحت سقف التصعيد المضبوط، بانتظار ما ستؤول إليه المواجهة ما بين واشنطن وطهران، ذلك أن نتائجها، ستنعكس حكماً على ساحات المحور الإيراني من اليمن إلى العراق ولبنان، مع ما يحمله ذلك من احتمالات توسّع المواجهة في حال تعرّضت إيران لضربة مباشرة.
وعلى هامش هذا المسار، تشير المصادر، إلى تواصل الوساطات الدولية والإقليمية الموازية، من موسكو إلى مسقط، مروراً بالقاهرة والرياض والدوحة وأنقرة، والتي تهدف في مجملها إلى تحذير طهران من مخاطر التصعيد، والدفع نحو تجنّب حرب شاملة قد تتجاوز حدود المنطقة، خصوصاً في ظل المخاوف من انزلاق إسرائيل تلقائياً إلى أي مواجهة مباشرة، سواء بمبادرة منها أو عبر انخراط أميركي مباشر.
وانطلاقاً من هذه المعطيات، ترى المصادر الديبلوماسية أن إعادة إحياء "الميكانيزم" تمثّل رسالة أميركية واضحة إلى بيروت، مفادها رفض واشنطن الإستجابة لأي ضغوط إسرائيلية تهدف إلى تجميد عمل اللجنة أو تعديل تركيبتها الخماسية، وهو ما ينسجم أيضاً مع موقف رئيس الجمهورية الذي نفى مراراً سيناريوهات المنطقة العازلة أو الإقتصادية، أو استبدال اللجنة بإطار ثلاثي، واصفاً هذه الطروحات بأنها مجرّد حملات إعلامية غير مسؤولة.
فالدور الأميركي يتّجه ليصبح أكثر توازناً حيال الوضع اللبناني، مع تمايز عن الرؤية الإسرائيلية، سواء في ما يتصل بالحفاظ على تركيبة "الميكانيزم"، أو في تقدير الحاجة اللبنانية إلى إطار تهدئة فعّال، بالإضافة إلى التفهّم لحجم الضرر الذي يلحق بمساعي إعادة بناء الدولة، ولا سيما المؤسسة العسكرية، في ظل الخطاب التصعيدي المتبادل بين إسرائيل و"حزب الله"، والذي يوحي وكأن الحرب لم تنتهِ بعد.