"ليبانون ديبايت"
في خضمّ الجدل الذي أثارتْه مواقف وتصريحات السيناتور الأميركي ليندسي غراهام، وما رافقها من تغريدات منسوبة إلى توم حرب، رأى الخبير العسكري أندريه بو مشعر أنّ ما جرى لا يمكن التعامل معه كحدث عابر، بل يدخل في إطار خلل بروتوكولي وسياسي واضح، انعكست تداعياته على صورة الدولة اللبنانية وموقع المؤسسة العسكرية في مقاربة الدعم الدولي.
وفي حديث لـ“ليبانون ديبايت”، شدّد بو مشعر على أنّ التغريدة التي جرى تداولها، والتي أوحت وكأنّ وزارة الخارجية الأميركية كانت على علم بالمضمون أو وافقت عليه، غير دقيقة، وقال إنّ “الحدّ الأدنى كان يفرض على وزارة الخارجية الأميركية استنكار ما جرى، لأنّ ما حصل يُعدّ خطأ بروتوكوليًا فادحًا وغير مقبول بأي معيار دبلوماسي”.
واعتبر بو مشعر أنّ ما وصفه بـ“حالة التشويش” التي حاول كل من غراهام وتوم حرب إحداثها، تهدف أساسًا إلى الضغط على الدولة اللبنانية لدفعها نحو التزامات ومواقف لا هي مقتنعة بها ولا تملك القدرة الواقعية على تنفيذها. وأضاف أنّ هذا الأسلوب لا يخدم مسار دعم الجيش اللبناني، بل يضعه في موقع ابتزاز سياسي وإعلامي.
وأوضح أنّ السيناتور غراهام، رغم تأثيره في مجلس الشيوخ الأميركي، لا يمثّل الإدارة الأميركية، مشيرًا إلى أنّ قرار دعم الجيش اللبناني أو حجب المساعدات عنه يبقى قرارًا سياديًا يعود إلى الإدارة الأميركية نفسها، لا إلى مواقف فردية مهما بلغ أصحابها من النفوذ داخل الكونغرس.
ورداً على السؤال عمّا إذا كانت هذه المواقف قد تنعكس سلبًا على المساعدات المخصّصة للجيش اللبناني أو على أي مؤتمر دعم محتمل، أكّد بو مشعر أنّ القرار النهائي لا يُتخذ بهذه الطريقة، لافتًا إلى أنّ الإدارة الأميركية تعتمد مقاربات أوسع وأكثر تعقيدًا.
غير أنّه حذّر في الوقت نفسه من خطورة الأسلوب المعتمد، معتبرًا أنّ تحويل اللقاءات الرسمية إلى منصّات ضغط وتهويل، واشتراط المساعدات بإجابات معدّة سلفًا، يقوّض فكرة تمكين الجيش اللبناني من لعب الدور المطلوب منه في الداخل اللبناني.
وسجّل بو مشعر ملاحظة أساسية، مفادها أنّ السؤال الذي وجّهه ليندسي غراهام إلى قائد الجيش اللبناني حول تصنيف “حزب الله”، سؤال في غير مكانه. فتصنيف الأحزاب والقوى السياسية هو من صلاحيات الدولة اللبنانية، وتحديدًا الحكومة، وليس من صلاحيات قائد الجيش الذي يُعدّ موظفًا رسميًا يلتزم بقرارات الدولة وموقفها المعلن.
وأضاف: “قائد الجيش أجاب من منطلق موقعه الوظيفي، لا من منطلق رأي شخصي. والسؤال، أساسًا، كان يجب أن يُوجَّه إلى الدولة اللبنانية، لا إلى المؤسسة العسكرية”. وأكّد أنّ غراهام كان يدرك مسبقًا طبيعة الجواب، وكان يسعى إلى بناء موقف إعلامي وسياسي يُسوّق لفكرة ربط أي مساعدة للبنان بشروط مسبقة.
أما عن التحجج بأن هناك اعتراض أميركي على مرافقة مدير الاستخبارات في الجنوب لقائد الجيش، فهو في غير مكانه، لأنّه في حال اعترض الأميركيون على مرافقته لما أعطوه "فيزا" للدخول مع قائد الجيش.
ولكن العميد بو مشعر اعتبر أنّ هناك مسؤولية على حزب الله الذي يجب أن يعرف حجم الضغوط التي تتعرض لها الدولة اللبنانية ويساعد في بسط سلطة الدولة على مختلف الأراضي اللبنانية.
وختم بو مشعر بالتأكيد على أنّ الإساءة التي تعرّض لها قائد الجيش لا تُصيب شخصه فحسب، بل تمسّ برمز من رموز الدولة اللبنانية، وبالتالي بالدولة نفسها. وأضاف أنّ تحميل الجيش وحده مسؤولية الإجابة عن أسئلة سياسية سيادية يضعه في موقع غير عادل، ويُضعف موقع لبنان التفاوضي بدل أن يعزّزه.
وأشار في الختام إلى أنّ الضغوط الخارجية المفروضة على لبنان كبيرة، لكنّ ذلك لا يُبرّر التفريط بالكرامة الوطنية أو القبول بتعاطٍ ينتقص من موقع الدولة ومؤسساتها، داعيًا إلى تحمّل جماعي للمسؤولية في مواجهة أي مسار يُسيء إلى لبنان، دولةً وجيشًا.