المحلية

ليبانون ديبايت
الثلاثاء 10 شباط 2026 - 16:25 ليبانون ديبايت
ليبانون ديبايت

"لا حق لك بنشر اسمي ورقمي"… حين تتحوّل التجارة الإلكترونية إلى منصة تشهير

"لا حق لك بنشر اسمي ورقمي"… حين تتحوّل التجارة الإلكترونية إلى منصة تشهير

"ليبانون ديبايت"

في ظلّ التوسّع السريع للتجارة الإلكترونية وانتشار البيع عبر وسائل التواصل الاجتماعي، برزت في الآونة الأخيرة ظاهرة مقلقة تتجاوز حدود الخلاف التجاري لتلامس جوهر الحقوق الفردية. إذ يعمد بعض أصحاب المتاجر الإلكترونية أو الحسابات الصغيرة إلى نشر المعلومات الشخصية لزبائنهم من أسماء وأرقام هواتف وعناوين سكن بحجّة عدم استلام الطلبات، واضعين هذه البيانات على العلن عبر منشورات أو بثوث مباشرة، وكأنها وسيلة ضغط أو "عقاب" علني.


هذه الممارسات، التي تُقدَّم أحيانًا أمام جمهور واسع، تثير أسئلة أساسية: ما الذي يجيز للتاجر فضح زبونه؟ وأي منطق يسمح بكشف بيانات حسّاسة لمجرّد تعثّر عملية تسليم؟ صحيح أن للتاجر حق المطالبة بمستحقاته والتعبير عن تضرّره عند تكبّد خسارة، لكن هذا الحق لا يمنحه بحالٍ من الأحوال سلطة التشهير أو تعريض الآخرين للخطر عبر انتهاك خصوصيتهم.


فعدم استلام الطلب قد يعود إلى أسباب كثيرة ومشروعة: ظرف طارئ، عدم الرد على الهاتف، خطأ في التوصيل، أو سوء تفاهم. ومع ذلك، يتحوّل الأمر لدى البعض إلى حملة تشهير علنية تُنشر فيها صورة الشخص وبياناته كاملة، بما يشبه "محاكمة شعبية" بلا قواعد ولا ضمانات. هنا لا يعود الخلاف تجاريًا، بل يصبح اعتداءً على الكرامة والخصوصية.


الخطورة لا تتوقّف عند حدّ انتهاك الخصوصية. فالكشف غير المسؤول عن العناوين وأرقام الهواتف قد يعرّض الأفراد لمخاطر أمنية حقيقية: مضايقات، تهديدات، ابتزاز، أو حتى أذى جسدي. من يتحمّل تبعات ذلك؟ وهل يُعقل أن يتحوّل نزاع بسيط إلى خطر دائم على سلامة شخص وعائلته؟


أخلاقيًا، هذه الممارسات تُسيء كذلك إلى مفهوم “المشاريع الصغيرة” نفسه. فبدل بناء الثقة بين البائع والمشتري، تُهدم العلاقة بالكامل، ويُدفع الناس إلى التردّد في الشراء خوفًا من الفضيحة لا من سوء الخدمة. الزبون الذي يشعر بأن كرامته مهدّدة لن يعود للتعامل مع هذا المتجر ولن يكون وحده في قراره.


وفي هذا السياق، أوضح مصدر قانوني في حديث إلى "ليبانون ديبايت"، أن لجوء بعض المتاجر الإلكترونية إلى نشر معلومات الزبون عند عدم استلام الطلب يشكّل تعدّيًا واضحًا على الحق في الخصوصية، ويطرح إشكالية قانونية جدّية لا يمكن تبريرها تحت أي ذريعة تجارية.


وأشار إلى، أن "المعيار الأساسي في هذا النوع من الحالات يتمثّل في طبيعة استخدام البيانات الشخصية"، موضحًا أن "تسليم الزبون معلوماته الخاصة يتم في إطار علاقة تعاقدية محدّدة الغاية، وهي تنفيذ الخدمة المطلوبة حصراً، أي توصيل الطلب، ولا يمتدّ هذا التفويض إلى أي استعمال آخر".


وقال المصدر: "تقديم الاسم ورقم الهاتف والعنوان لا يُعدّ موافقة عامة أو مطلقة على استخدام هذه البيانات، بل هو تفويض محدود بالغاية التي جُمعت من أجلها. وبالتالي، فإن أي استخدام لهذه المعلومات خارج هذا الإطار، ولا سيما نشرها علنًا، يُعدّ تجاوزًا للغرض المشروع وانتهاكًا للخصوصي. "


وشدّد على، أن "الجهة التجارية، بصفتها شركة أو متجرًا منظّمًا، تقع عليها مسؤولية قانونية مضاعفة في حماية البيانات التي تحصل عليها، انطلاقًا من عنصر الثقة الذي يحكم العلاقة بينها وبين الزبون".


وأكد المصدر أن "نشر هذه البيانات قد يعرّض أصحابها لمخاطر فعلية، كالمضايقات أو التهديد أو الابتزاز، ما يجعل هذا السلوك غير مشروع قانونًا، وقد يفتح الباب أمام مساءلة قانونية في حال ترتّب عليه ضرر".


ولفت إلى، أن "مبدأ حماية الخصوصية، حتى في حال غياب نصّ تشريعي تفصيلي مباشر، يبقى مكرّسًا في روح القوانين والمعاملات التجارية، وهو المبدأ نفسه الذي تقوم عليه سياسات الخصوصية المعتمدة في التطبيقات والمنصات الرقمية، حيث يُشترط حصر استخدام البيانات بالغرض الذي جُمعت من أجله".


وختم المصدر بالتأكيد على أن خرق عنصر الثقة في العلاقة التجارية قد يرقى، في بعض الحالات، إلى مستوى الفعل الجرمي، إذ إن جوهر أي تعامل قانوني سليم يقوم على حسن النية والثقة المتبادلة، واستخدام المعلومات الشخصية خارج إطارها المشروع يُعدّ اعتداءً على الحقوق الفردية لا يمكن تبريره تجاريًا أو أخلاقيًا.


وبناءً على ذلك، الخصوصية ليست تفصيلاً، وكرامة الناس ليست أداة ضغط، والفضاء الرقمي ليس ساحة تشهير مفتوحة. إذا كانت التجارة الإلكترونية مستقبل البيع، فإن احترام الحقوق هو شرطها الأول.

تــابــــع كــل الأخــبـــــار.

إشترك بقناتنا على واتساب

WhatsApp

علـى مـدار الساعـة

arrowالـــمــــزيــــــــــد

الأكثر قراءة