لماذا؟
بحسب الخبراء ،هذا الإجراء لا يسمح بتتبع حركة الأموال ومصادرها وإستخداماتها كما تطلب مجموعة العمل المالي "فاتف" من لبنان، لا سيما في مجال مكافحة غسل الأموال وتمويل الأنشطة غير المشروعة، والإعتماد على التداول النقدي والذهب يُقلّص قابلية التتّبع ويُضعف أدوات التدقيق اللاحق، كون الشركة غير مُرتبطة بالنظام المصرفي اللبناني الذي يطبق نموذج "إعرف عميلك"، ما يمنع التحقّق من هوية المُستفيد النهائي من عمليات شراء الذهب. كما أن الفواتير لا تضمن بالضرورة أن العمليات تعكس نشاطًا إقتصاديًا حقيقيًا.
موسى:إضعاف حلقة تربط الإنتماء السياسي والأمان الاقتصادي
مقابل هذا التفسير التقني، هناك أبعاد سياسية وإقتصادية لوضع "مؤسسة جود" على لائحة العقوبات، وهذا ما يشرحه الدكتور محمد موسى (أكاديمي وباحث وأستاذ الإقتصاد السياسي) لـ"ليبانون ديبايت" فيقول:"يأتي فرض هذه الحزمة من العقوبات الأميركية في توقيت إقليمي بالغ الدقة، حيث تتداخل مسارات التصعيد والردع بين الولايات المتحدة وإيران، وتتزامن مع مرحلة إعادة تموضع إسرائيلي بعد التحولات التي أعقبت السابع من تشرين الأول، إضافة إلى محاولات أميركية أوسع لإعادة ضبط الساحات غير المُستقرة في الشرق الأوسط"، لافتا إلى أنه "من هذا المنطلق، لا يمكن مقاربة العقوبات بإعتبارها إجراءً ماليًا تقنيًا معزولًا، بل كجزء من سياسة ضغط مركبة تستخدم الأدوات الإقتصادية لتعديل سلوك فاعلين في بيئات هشة. الرسالة السياسية الأساسية التي تسعى واشنطن إلى إيصالها تتمثل في التأكيد على أن إتساع هامش الإشتباك الإقليمي لن يُقابَل فقط بإجراءات ردع عسكرية، بل بتجفيف ممنهج لمصادر التمويل، وخصوصًا تلك التي تعمل خارج النظام المالي الرسمي، بما يهدف إلى رفع كلفة الإستمرار في نماذج التمويل غير النظامية من دون الإنزلاق إلى مواجهة شاملة"، ويشدد على أن "القرض الحسن يُمثل شريحة وازنة من المُتعاملين معه والذين هم صلب بيئة المقاومة، وتالياً المساس بهم لدى الحزب من المُحرمات بالرغم من التكيف مع كل ما يجري في الفترة الأخيرة، بدءا من مؤسسة جود الى غيرها".
في المقابل يرى موسى أنه "من الناحية القانونية، لا تُشكل هذه العقوبات قطيعة مع سياسات سابقة، إذ تستند إلى أطر تشريعية أميركية قائمة منذ سنوات، وإلى منظومة دولية لمكافحة تمويل الإرهاب وتبييض الأموال أُرسيت بعد أحداث الحادي عشر من أيلول، إلا أن البُعد النوعي فيها يكمن في لإنتقال الإستهداف من الشبكات الخارجية، إلى البُنية المالية الداخلية المُرتبطة بالبيئة الإجتماعية والإقتصادية للحزب"، مشددا على أن "هذا التحوّل يعكس إدراكًا أميركيًا بأن الفاعلية السياسية والتنظيمية، لأي فاعل مُسلح لا تقوم فقط على قدراته العسكرية، بل على قدرته على توفير حد أدنى من الإستقرار الإقتصادي والإجتماعي داخل بيئته الحاضنة".
ويُذكِر بأن "التجربة التاريخية للعقوبات المفروضة منذ منتصف العقد الماضي، تُظهر أنها لم تؤدِ إلى وقف مصادر التمويل بشكل كامل، لكنها نجحت في رفع كلفة التحويل وتعقيد مساراته، وتقليص قدرة الحزب على إستخدام النظام المالي الدولي. وقد دفع ذلك إلى توسّع الإعتماد على النقد، وعلى شبكات غير رسمية، وعلى قطاعات تُعد تقليديًا مخازن للقيمة في الإقتصادات غير المُستقرة، وفي مقدّمها الذهب"، جازما بأنه " في السياق اللبناني، إكتسب الذهب أهمية إضافية بعد إنهيار الثقة بالقطاع المصرفي، ما جعله جزءًا من الإقتصاد الموازي الذي يتقاطع فيه البُعد الإجتماعي مع الإعتبارات السياسية والمالية. ضمن هذا الإطار، يكتسب إستهداف مؤسسات مالية ذات طابع إجتماعي مثل "القرض الحسن" دلالة تتجاوز البعد المالي المباشر، إذ يطال وظيفة هذه المؤسسات في توفير بدائل عن الدولة في بيئات تعاني من الإنهيار المؤسسي. الهدف هنا ليس فقط الحد من التدفقات المالية، بل إضعاف الحلقة التي تربط بين الإنتماء السياسي والأمان الاقتصادي، بما ينعكس على تماسك البنية الاجتماعية التي يستند إليها الحزب".
ينبّه موسى إلى أنه "رغم الطابع الموجّه للعقوبات، إلا أن إنعكاساتها لا تبقى محصورة بالإطار التنظيمي المستهدف، إذ غالبًا ما تمتد إلى المواطنين العاديين المُرتبطين بالقرض الحسن، لا سيما في إقتصاد يعاني أصلًا من توسّع القطاع غير الرسمي. أي ضغط على هذا القطاع يزيد من هشاشة الثقة في السوق النقدية، ويعمّق الفجوة بين إقتصاد رسمي شبه مشلول وإقتصاد موازٍ مُتنامٍ"،موضحا أن "القطاع المصرفي اللبناني، فهو في موقع دفاعي منذ سنوات وهو ليس له علاقة بمالية الحزب وقد صدرت تعاميم مختلفة في هذا السياق، وتأتي هذه العقوبات لتزيد من عزلة لبنان المالية، وتحدّ من قدرته على إعادة الإندماج في النظام المالي الدولي في المدى المنظور، خاصة في ظل القائمة الرمادية ومُتطلبات فاتف وغيرها من المؤسسات الدولية".
ويلفت إلى أن "وجود شركاء وشبكات تمتد إلى روسيا وتركيا وسوريا وإيران إذا صح الكلام، يعكس تحوّل الحزب إلى جزء من منظومة إقتصادية سياسية عابرة للحدود، تعمل ضمن فضاء دولي بات معتادًا على العقوبات. التعامل مع الضغوط الأميركية يختلف من دولة إلى أخرى، بين من يعتبر العقوبات واقعًا بنيويًا دائمًا، ومن يعتمد إستراتيجيات الإلتفاف والصبر الطويل، أو يوازن بين التزاماته الدولية ومصالحه الاقتصادية، ما يمنح هذه الشبكات هامش حركة متغيّر لكنه غير معدوم"، شارحا أنه "على المستوى العسكري، تشير التجارب المقارنة إلى أن العقوبات نادرًا ما تؤدي إلى إضعاف مباشر وفوري للقدرات القتالية، لكنها تؤثر على الإستدامة طويلة الأمد، وعلى مرونة شبكات الدعم والإمداد، وتفرض إعادة ترتيب للأولويات المالية. وعليه، فإن التأثير المرجّح هو دفع الحزب إلى مزيد من التكيّف الإستراتيجي، لا إلى تغيير جذري في عقيدته أو دوره الإقليمي".
ويشير إلى أنه "على صعيد التصعيد الأمني، فالعقوبات ترفع منسوب التوتر لكنها لا تجعل الإنفجار حتميًا، إذ غالبًا ما تُستخدم كأداة ضغط ضمن إدارة الصراع لا حسمه. داخليًا، ستنعكس هذه الضغوط في زيادة الإستقطاب السياسي حول موقع الحزب ودوره، في ظل ضعف بنيوي للدولة وعجزها عن إنتاج سياسة إقتصادية شاملة قادرة على تحييد البلاد عن الصراعات الإقليمية".
و يختم:"في المحصلة، تفتح هذه العقوبات على مجموعة من السيناريوهات، تتراوح بين إستمرار الضغط المالي ضمن سقوف مضبوطة، أو تخفيفه في حال التوصل إلى تفاهمات إقليمية أوسع، أو إستخدامه كورقة في مسار تفاوضي طويل. وفي جميع الحالات، يبقى نجاح هذه السياسة أو محدوديتها مرتبطًا ليس فقط بقدرة الطرف المستهدف على التكيّف، بل أيضًا بمدى قدرة لبنان على إستعادة حد أدنى من الدولة الوظيفية القادرة على ضبط إقتصادها، والإلتزام بالمعايير الدولية، وتقليص كلفة الصراعات الخارجية على مجتمعها".