قالت صحيفة "تايمز أوف إسرائيل" إن إسرائيل تتجه إلى تحقيق استقلال عسكري أكبر عن الولايات المتحدة، في خطوة من شأنها إعادة تشكيل طبيعة العلاقة بين الحليفين، وتقليص نفوذ واشنطن في الشرق الأوسط.
وأوضحت الصحيفة أن إسرائيل خاضت خلال العامين الماضيين معاركها ضد حماس في قطاع غزة بدعم عسكري واسع من الولايات المتحدة، التي قدّمت، منذ الهجوم الذي أشعل الحرب، مساعدات عسكرية تقدَّر بين 16 و22 مليار دولار، إضافة إلى 3.8 مليارات دولار سنويًا كمساعدة دفاعية ثابتة، ما عزّز التحالف العسكري بين الطرفين.
غير أن هذا الاعتماد الكبير أثار مخاوف داخل إسرائيل بشأن مستوى التأثير الذي تمنحه هذه المساعدات لواشنطن على أولويات الإنفاق العسكري وخيارات الدفاع. ومع اقتراب انتهاء الاتفاق الذي يضمن صرف المعونة السنوية، وفي ظل توجّه الإدارة الأميركية الحالية إلى تقليص المساعدات، إضافة إلى القيود التي فُرضت على بيع الأسلحة خلال الحرب مع حماس، أعلن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو أن إسرائيل ستعمل تدريجيًا على تقليل اعتمادها على المساعدات الأميركية.
ونقلت الصحيفة عن السفير الأميركي السابق لدى إسرائيل دان شابيرو قوله إن هذا التوجّه يشكّل "انخفاضًا أعمق في نفوذ الولايات المتحدة في الشرق الأوسط"، محذرًا من أن تقليص المساعدات قد يضعف الروابط العسكرية ويترك تداعيات على استقرار المنطقة.
ورغم التحذيرات، تشير "تايمز أوف إسرائيل" إلى أن إسرائيل سبق أن واجهت حروبًا من دون المساعدات الأميركية، كما في حرب 1967، وتمكّنت من التكيّف مع قيود لاحقة، مثل القيود المفروضة على استخدام القنابل العنقودية بعد حرب لبنان 2006، حين طوّرت صناعاتها الدفاعية المحلية بدائل خاصة.
وفي هذا الإطار، أعلن نتنياهو إعطاء أولوية لإنشاء قطاع تصنيع أسلحة محلي قوي، بهدف تحويل العلاقة مع الولايات المتحدة "من المساعدات إلى الشراكة"، مع إمكانية توسيع التعاون ليشمل دولًا أخرى مثل الهند وألمانيا، والتركيز على المشاريع العسكرية والدفاعية المشتركة بدل المساعدات المالية المباشرة.
وتعود المساعدات العسكرية الأميركية لإسرائيل إلى عام 1979، حين التزمت واشنطن بتقديم مليارات الدولارات لإسرائيل ومصر ضمن اتفاقيات السلام. ومع توسّع الاقتصاد الإسرائيلي وارتفاع الإنفاق الدفاعي المحلي، تراجعت نسبة هذه المساعدات من إجمالي ميزانية الدفاع لتبلغ حاليًا نحو 15–20%.
وبموجب الاتفاق الحالي، تتلقى إسرائيل 3.3 مليارات دولار سنويًا عبر برنامج "Foreign Military Financing"، إضافة إلى 500 مليون دولار مخصّصة لتطوير وشراء منظومات الدفاع الصاروخي، ولا سيما "Iron Dome". إلا أن شروط الاتفاق قيّدت استخدام جزء من هذه الأموال داخل الصناعات الدفاعية المحلية، ما دفع تل أبيب للبحث عن بدائل داخلية.
ويرى خبراء، من بينهم مايكل أورين وإيرن ليرمان، أن الاعتماد الكبير على المساعدات الأميركية أسهم في تركيز الجيش الإسرائيلي على الدفاع الصاروخي على حساب الجاهزية الهجومية، وهو ما انعكس على الأداء العملياتي في حروب مثل غزة 2023. ويوصون بتقليص الاعتماد على المعونات مع الحفاظ على الشراكة الاستراتيجية والتعاون التكنولوجي والاستخباراتي مع واشنطن.
ومع خفض المساعدات، قد تواجه إسرائيل تحديات مالية تستوجب تمويل جزء أكبر من مشتريات السلاح محليًا، غير أن الخبراء يرون أن هذا الانتقال يمكن أن يتم تدريجيًا من دون إحداث صدمات اقتصادية كبرى. في المقابل، يحذّرون من أن الإلغاء الكامل للمساعدات قد يضعف الردع الإقليمي ويؤثر على مسارات التطبيع مع الدول العربية، ويمنح إيران وحلفاءها هامشًا أوسع لتعزيز نفوذهم.
ورغم ذلك، تبقى الأسلحة الأميركية عنصرًا أساسيًا في الحفاظ على التفوق العسكري الإسرائيلي، كما أن شركات الدفاع الأميركية حريصة على استمرار المبيعات، ولا سيما مقاتلات F-35، لما تمثّله من قدرات قتالية متقدمة.
وتخلص "تايمز أوف إسرائيل" إلى أن إسرائيل تستطيع الحفاظ على الردع من خلال تعزيز الشراكات التكنولوجية، وتطوير صناعاتها الدفاعية، وتحويل علاقتها مع الولايات المتحدة من علاقة معونة إلى شراكة متوازنة ومستدامة.